Showing posts with label Patrology. Show all posts
Showing posts with label Patrology. Show all posts

Wednesday, 9 March 2011

أمثلة من التفسيرات الرمزية للقديس كيرلس الأسكندرى


أمثلة  من التفسيرات الرمزية
 للقديس كيرلس الأسكندرى الكبير




فى ختام دراسة المنهج التفسيرى عند القديس كيرلس الكبير، نقدم بعض الأمثلة على التفسير الرمزى للقديس كيرلس نفسه ، من أجل توضيح ما سبق عرضه ، مع ملاحظة أنه يقدم تفسيره الرمزى بدون أن ينكر أو يهمل تاريخية الحدث الذى يفسره:

+++
فى بشاره المعمدان بالمسيح : 
الَّذِي رَفْشُهُ فِي يَدِهِ، وَسَيُنَقِّي بَيْدَرَهُ، وَيَجْمَعُ الْقَمْحَ إِلَى مَخْزَنِهِ، وَأَمَّا التِّبْنُ فَيُحْرِقُهُ بِنَارٍ لاَ تُطْفَأُ : (لو 3 : 17)

[ لأنه يقرن أولئك الذين على الأرض بسنابل القمح أو بالحرى بيدر الدراسة و القمح الذى فيه .. و الرب حينما كلم الرسل القديسين عمل مقارنة مماثلة عن حالتنا "إِنَّ الْحَصَادَ كَثِيرٌ، وَلكِنَّ الْفَعَلَةَ قَلِيلُونَ. فَاطْلُبُوا مِنْ رَبِّ الْحَصَادِ أَنْ يُرْسِلَ فَعَلَةً إِلَى حَصَادِهِ" ( لو 10 :2) .. اذاً فنحن ندعى بسنابل القمح و نسمى بالحصاد و هذا الحصاد هو ملك لله فوق الكل لأنه هو رب الكل و لكن انظروا فإن المعمدان المبارك يقول أن البيدر يخص المسيح إذ هو ملك له فهو الذى ينقيه إذ يزيل و يفصل التبن من القمح ، لأن القمح يشير الى الأبرار الذين لهم ايمان ثابت و راسخ ... أما التبن فيشير الى ضعاف الفكر و الذين يغوى قلوبهم بسهوله و هم خائفون و جبناء و يحملون بأى ريح .. أن القمح حينئذ يجمع فى مخزن أى يحسب مستحقاً للأمانة فى يد الله و مستحقاً للرحمة و الحماية و الحب أما التبن فيحرق فى النار كمادة لا نفع لها ]
تفسير إنجيل لوقا[1] صـ 65 و 66

+++
دعوة المسيح لتلاميذه : "وَكَانَ نَحْوَ السَّاعَةِ الْعَاشِرَةِ " (يو 1 : 39)

[ فإن كل إنسان يستطيع أن يصل الى المعنى الذى يناسب إدراكه لأن كاتب الإلهيات أراد أن يوصل لنا معنى خفى يصعب إدراكه لأول وهلة و أنه أراد أن يعلمنا انه ليس فى بداية العالم أعلن السر العظيم الخاص بالمخلص أنما فى نهاية الدهور لأنه فى الأيام الأخيرة سنكون جميعاً " متعلمين من الله" ( إش 54 :13 ) و يمكننا أيضاً أن نأخذ الرمز الذى أراده الإنجيلى من الساعة العاشرة لأن التلميذين مكثا مع المخلص و صارا ضيوفه و هكذا الذين يدخلون بالإيمان البيت المقدس ( الكنيسة) و يسرعون إلى المسيح عليهم أن يتعلموا أن يمكثوا معه و أن لا يتغربوا عنه أو يبتعدوا عنه بالعودة الى الخطية أو العودة الى عدم الإيمان ]

تفسير إنجيل يوحنا[2] صـ 169
أى أن الساعة العاشرة رمز لنهاية الدهور ، و بيت المسيح يرمز سرياً للكنيسة.


+++
فـى مــعـجـزة إشـباع الجـموع:
" فَصَعِدَ يَسُوعُ إِلَى جَبَل وَجَلَسَ هُنَاكَ مَعَ تَلاَمِيذِه "  (يو 6 :3)
[لأنه لما صعد يسوع من أورشليم بحسب ماقيل بالأنبياء "قَدْ تَرَكْتُ بَيْتِي. رَفَضْتُ مِيرَاثِي" ( إر 12 : 7 ) و لما رفضه و ازدرى به شعب اليهود المعاند العاصى أعطى نفسه للغرباء " فتبعه جمع كثير" لكنه صعد الى جبل بحسب ما كان سيقوله حقاً فيما بعد " وَأَنَا إِنِ ارْتَفَعْتُ عَنِ الأَرْضِ أَجْذِبُ إِلَيَّ الْجَمِيعَ " ( يو 12 : 32) لأنه رفع على من الأرض بصعوده على الصليب لأجلنا و رفع أيضاً بطريقة أخرى اذ صعد أو ارتفع كما على جبل الى مجد و كرامة الهيين لأننا لا نفعل مثلما فعل اسرائيل فنحتقره كإنسان بل نعبده كإله و مخلص و رب ]

تفسير إنجيل يوحنا صـ 320
أى أن صعود المسيح على الجبل كان رمزاً : لرفض إسرائيل و قبول الأمم ، الصليب ، لاهوت الكلمة المتجسد .


كُلُّ وَادٍ يَمْتَلِئُ، وَكُلُّ جَبَل وَأَكَمَةٍ يَنْخَفِضُ، وَتَصِيرُ الْمُعْوَجَّاتُ مُسْتَقِيمَةً، وَالشِّعَابُ طُرُقًا سَهْلَةً " (لو 3 :5 )
[لأن جماعات المؤمنين لهم فى الكتب المقدسة مرعى مملوء بانواع مختلفة من النباتات و الزهور تلك الكتب هى مرشدكم الحكيم و اذ يمتلىء المؤمنين بالفرح الروحانى بسبب التعاليم المجيدة و الإرشادات التى تحتويها هذه الكتب لذللك فهم ياتون كثيراً الى المجالس الملكية المقدسة التى توفرها لهم هذه الكتب المقدسة و هذا ما سبق الأنبياء به من ومن بعيد " وَيَكُونُ عَلَى كُلِّ جَبَل عَال وَعَلَى كُلِّ أَكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ سَوَاق وَمَجَارِي مِيَاهٍ فِي ذلك يَوْمِ " (إش 30 : 25 ) "وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ الْجِبَالَ تَقْطُرُ عَصِيرًا، وَالتِّلاَلَ تَفِيضُ لَبَنًا" (يؤ 3 : 18)  أنه من عادة الكتب الإلهية أن تشبه بالجبال و التلال اولئك الذين اقيموا على الآخرين اولئك الذين عملهم أن يعلموا الآخرين اذ انهم مرتفعون جداً و هذا الإرتفاع أقصد سمو أفكارهم المنشغلة بالامور السماوية و ابتعادهم عن الأمو الأرضية بينما المياة و الحلاوة و اللبن تشير الى التعاليم التى تفيض منهم كما تفيض المياة من الينابيع " و يكون حينئذ فى ذلك الوقت أن مياهاً متدفقة و عصيراً و لبناً تجرى من كل جبل عال  و من كل أكمة مرتفعة "و هذه هى التعزيات الروحية التى للمعلمين القدسين الذين يقدمونها للشعب الذين يتولون مشئولية رعايته إن الجماعات اليهودية محرومة من تلك التعزيات لانهم لم يقبلوا المسيح رب الجبال و التلال و معطى التعزيات الروحانية و هو الذى يقدم نفسه كخبز الحياة للذين يؤمنون به لانه هو الذى نزل من السماء و أعطى الحياة للعالم الذى به و معه لله الآب يليق التسبيح و السلطان مع الروح القدس الى دهر الدهور . آمين]
تفسير إنجيل لوقا صـ 237

 "هُنَا غُلاَمٌ مَعَهُ خَمْسَةُ أَرْغِفَةِ شَعِيرٍ وَسَمَكَتَانِ" (يو 6 :9)
[هيا نتحدث قليلاً عن " خمسة أرغفة الشعير" التى كانت مع الغلام و عن السمكتين لأن كل نوع من هذه الأنواع ذاتها الى جانب الأعداد إنما هو مفعم بالسر .. الحقيقة ان الإنجيلى المبارك قد أحصى و بكل اجتهاد كل الأشياء أيضاً ليعطينا بالتأكيد شيئاً نفكر به و الذى يحتاج منا أن نتفحصه أيضاً .... يقول أن الأرغفة كانت خمسة و أنها كانت من " الشعير" و أنهما " سمكتان " و بهذا أطعم المسيح الذين يحبونه و أعتقد  أنه بالارغفة الخمسة يشير الى كتاب الحكيم جداً موسى ذى الأسفار الخمسة أعنى الناموس كله الذى كان بمثابة الطعام الثقيل و الذى أعطى لنا بواسطة الحرف لأن هذا ما يلمح اليه لفظ " الشعير" لكنه يشير بالسمكتين الى ذلك الطعام الذى حصلنا عليه بواسطة الصيادين أعنى الكتب الشهية جداً التى لتلاميذ المخلص ، و يقول انهما اثنتان اشارة الى الكرازة الرسولية و الإنجيلية التى أشرقت فى وسطنا و التى هى مخطوطات الصيادين و كتابتهم الروحية هكذا فان المخلص اذ يخلط الجديد بالقديم و بالناموس و تعاليم العهد الجديد فهو يقوت انفس المؤمنين الى الحياة الأبدية و كون التلاميذ من الصيادين فهو أمر واضح و جلى و بالرغم من أن الجميع لم يكونوا صيادين إلا من بينهم من كانوا كذلك و إن مناقشتهم لن ترد عن الحق فيما قيل ]
تفسير إنجيل يوحنا صـ 330
أى أن الخمسة أرغفة الشعير رمز لكتب العهد القديم ، أما السمكتين فرمز للعهد الجديد و هما اثنتان رمز للبشارة الشفوية ، و الكتابات الإلهية

"فَاتَّكَأَ الرِّجَالُ وَعَدَدُهُمْ نَحْوُ خَمْسَةِ آلاَفٍ" (يو 6 : 10)
 [لأنه مُكَّرم كل ما هو رجل و يافع و ليس من هو طفولى فى طلب الأمور الصالحة أن الذين يسلكون كرجال فى الصلاح هؤلاء يطيعون الطعام بواسطة المخلص بشكل أكثر مناسبة و خصوصية ... أما الذين هم أطفال فى الفهم عاجزون حتى عن إدراك أى أمر من الأمور التى من الضرورى معرفتها.]
تفسير إنجيل يوحنا صـ 327

+++
فى تطهير الهيكل : "فَصَنَعَ سَوْطًا مِنْ حِبَال وَطَرَدَ الْجَمِيعَ.." (يو 2 :15)
[فهو بالعدل يطبق عليهم العقوبة المناسبة للعبيد لأنهم لا يقبلون الابن الذى يصِّير الإنسان حراً بالإيمان و ذلك الذى قيل بواسطة بولس "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُفْسِدُ هَيْكَلَ اللهِ فَسَيُفْسِدُهُ اللهُ" (1كو 3 : 17).. يليق بالذين أكرموا العبادة الشرعية أن يعرفوا بعد ظهور الحق أنهم بإحتفاظهم بروح العبودية و برفضهم أن يصيروا أحراراً فإنهم يصيرون عرضه لضربات و معرضون للعذاب المرتبط بالعبودية ... هذا يشير اليه بوضوح جداً بالرمز صانعاً لهم سوطاً من حبال لأن السياط هى علامة العقاب .]
تفسير انجيل يوحنا صـ 179
+++
عند القبض على المسيح فى جثيمانى:
"حَيْثُ كَانَ بُسْتَانٌ دَخَلَهُ هُوَ وَتَلاَمِيذُهُ" (يو18 : 1)
 [حيث أن "البستان هو رمز للفردوس القديم و فى البستان كل الأماكن و الأحداث اجتمعت مهاً  ففيه تمت عودتنا الى الحالة الإنسانية القديمة ( الأصلية) و فى البستان بدأت متاعب البشرية و لكن فيه أيضاّ بدأت آلام المسيح التى أتت بالنجاه من كل الشرور التى حدثت لنا لا سيما فى القديم ]
تفسير إنجيل يوحنا[3] صـ 8

"ثُمَّ إِنَّ سِمْعَانَ بُطْرُسَ كَانَ مَعَهُ سَيْفٌ، فَاسْتَلَّهُ وَضَرَبَ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، فَقَطَعَ أُذْنَهُ الْيُمْنَى. وَكَانَ اسْمُ الْعَبْدِ مَلْخُس" (يو 18 :10)
[لقد قطع بطرس الأذن اليمنى لعبد رئيس الكهنة و كان هذا العمل بمثابة علامة على عجز اليهود عن السمع الجيد لأنهم لم ينصتوا جيداً لكلمات المسيح بل أكرموا الأذن اليسرى أى طاعة هواجسهم التابعة من تعصبهم فصاروا " مُضَلين و مُضلِّن " (2تى 3 :13) كما يقول الكتاب لأنهم عندما عاشوا حسب الناموس القديم لم يهتموا بالوصية قدر إهتمامهم بتعاليم الناس ( مت 15 :19) ]
تفسير إنجيل يوحنا صـ  19 و 20

"وَجَاءَ إِلَى هُنَاكَ بِمَشَاعِلَ وَمَصَابِيحَ وَسِلاَحٍ" (يو 18 : 3)
استنتج القديس كيرلس من هذا أن البستان كان يسوده الظلام ، و من هنا فسر "الظلمة" رمزياً
["الظلمة" هو اسم الشيطان لأنه هو الليل و الظلام الدامس فالسلطان قد أعطى للشيطان و اليهود ليقوموا ضد المسيح ]
تفسير إنجيل لوقا صـ 722

+++
"وَضَفَرَ الْعَسْكَرُ إِكْلِيلاً مِنْ شَوْكٍ وَوَضَعُوهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَأَلْبَسُوهُ ثَوْبَ أُرْجُوَانٍ" (يو 19 :2)
[ لقد عامل العسكر المسيح كمن يسعى الى عرش و لذلك أهانوه كعادة الجلود و لنفس السبب وضعوا اكليل شوك على رأسه و الإكليل هو رمز للسيادة و الملك الأرضى أما الرداء الأرجوانى فهو دلالة على الملك و أهانوه بطريقة تتفق مع كل هذه المظاهر لأنهم اقتربوا منه و كانوا يقولون له السلام يا ملك اليهود
و قد سمعت هذا التفسير و هو يرضى خيال البعض أن اكليل الشول يرمز الى الجماعات من الوثنيين الذين سيعودون للمسيح و سيقبلهم هو ليجعلهم تاجه الملوكى عندما يؤمنون به و الأمم مثل الشوك لأنهم بلا ثمر و لا نفع كما يجمع الشوك للحريق هكذا الأمم كانوا بلا فائدة أما الآن فهم فى المسيح يسوع لهم كل الفوائد ، أما الرداء الأرجوانى فهو يرمز الى ملكوت المسيح الذى سوف ينتشر فى العالم كله و يمكننا أن نقبل أى تفسير طالما انه ليس غريباً عن الحق بشرط أن يكون له هدف واضح و لا يوجد ما يدعو الى رفض هذا التفسير لأنه يحتوى على براعة فى فهم عمل المسيح فى المستقبل ] 
تفسير إنجيل يوحنا صـ 54
+++
صـلب الـكـلمة المـتجـسد :
"وَصَلَبُوا اثْنَيْنِ آخَرَيْنِ مَعَهُ مِنْ هُنَا وَمِنْ هُنَا، وَيَسُوعُ فِي الْوَسْطِ." (يو 19 : 23)
[المجرمين الذين صلبن على جانبى المسيح رمزاً للشعبين الذين سوف يتصلان به أى اليهود و الأمم  لأن اليهود حكم عليهم الناموس و كانوا مذنبين بتعدى الناموس و الأمم كانوا مذنبين بالوثنية لأنهم عبدوا المخلوق دون الخالق
و الذين صلبوا مع المسيح قد اتحدوا به بشكل آخر لانهم يحتملون الموت عن حياتهم القديمة فى الجسد و يتجددون للحياة الجديدة حسب الإنجيل و حقاً يقول بولس "وَلكِنَّ الَّذِينَ هُمْ لِلْمَسِيحِ قَدْ صَلَبُوا الْجَسَدَ مَعَ الأَهْوَاءِ وَالشَّهَوَاتِ." ( غلا 5 : 24) كذلك فان صلب هذين اللصين على جانبى المسيح يعبر عن مصالحة الشعبين و موتهما عن الحياة القديمة مع المسيح المخلص ]
تفسير إنجيل يوحنا صـ 72

"أَخَذُوا ثِيَابَهُ وَجَعَلُوهَا أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ، لِكُلِّ عَسْكَرِيٍّ قِسْمًا. وَأَخَذُوا الْقَمِيصَ أَيْضًا الْقَمِيصُ بِغَيْرِ خِيَاطَةٍ، مَنْسُوجًا كُلُّهُ مِنْ فَوْقُ (يو 19 : 23)".
[ كان تقسيم الثياب الى أربعة أقسام و الاحتفاظ بالقميص دون تقسيم رمزاً لعناية الله السرية التى تدعو أرجاء المسكونة الأربع للخلاص لأن أرجاء المسكونة الأربع إقتسمت بينها رداء الكلمة أى جسده الذى ظل أيضاً غير مقسم و رمز اليه القميص لأن الابن الوحيد يقسم جسده الذى يتقدس به نفوس و أجساد الذين يتناولونه الى أجزاء صغيرة حسب الاحتياج الا أن جسده واحد حى فى الكنيسة كلها دون أن ينقسم لأن بولس يقول أن المسيح لا يمكن أن ينقسم ( 1كو 1 : 13)
و هذا هو معنى السر الخاص بالمسيح و قد ظهر هنا بشكل مستتر لاسيما فى الناموس الذى حدد أن يؤخذ حمل فى الوقت المعين و منع أن يؤخذ حمل لكل فرد من الشعب بل جعل واحد لكل بيت و حسب عدد أفراد البيت و اذا كان البيت صغيراً ينضم الى بيت آخر من بيوت الجيران و حددت الوصية أن يشترك الكثرة من الأفراد فى حمل واحد لكى لا يحدث تقسيم جسدى للحم و العضم و منع الناموس نقل أجزاء الحمل المذبوح من بيت الى بيت و لذلك يقول "فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ يُؤْكَلُ. لاَ تُخْرِجْ مِنَ اللَّحْمِ مِنَ الْبَيْتِ إِلَى خَارِجٍ" ( خر 12 : 46)  و لاحظوا كيف ان الناموس كما قلت يحرص على أن الكثرة الموجودة فى البيت تشترك فى الحمل الواحد و بحرص شديد حتى لا يظهر الحمل مقسماً بل يأكل الكل منه كحمل واحد و يشترك فيه الكل و بذلك يقسم و لا ينقسم
  و هكذا يجب أن نفكر فى رمز تقسيم ملابس المسيح  التى انها قسمت الى أربع أجزاء الا أن القميص ظل واحداً بدون تقسيم و هذا اشارة الى التوزيع و وحدة الذبيحة
و لا مانع أن نضيف لمن يريد أن يتعمق فى فهم الرمز أن القميص المنسوج من فوق الى أسفل دون خياطة رمز لجسد المسيح الذى تكون فى أحشاء العذراء بدون علاقة جسدية بين رجل و امرأة و انما يعمل و قوة الروح القدس الذى من فوق.]
+ + + + + + + + + + + +
ما  خرجنا بـــه  من  هذه " الدراسة ":
أولاً : المنهج القديس كيرلس الأسكندرى التفسيري للكتاب المقدس _ خاصة العهد الجديد _ ينبنى على تعاليمه الخريستولوجية التى جائت فى ظل ظرف تاريخى حساس مرَّت به الكنيسة المسيحية:
+ فكما ان الله كلمنا فى ابنه الوحيد المتجسد ، و هذات لم ينقص من مجده الإلهى ، هكذا يكلمنا بلغتنا البشرية فى الكتاب المقدس بدون أن ينقص ذلك فن القصد الروحى للكلام الإلهى.
+ فكما أنه يؤكد على تجسد الكلمة بالحقيقة ، هكذا يؤكد على أهمية المعنى الحرفى للنص ، فهو الظل بالنسبة للمعنى الروحى.
+ كما أن الإيمان ببشرية المسيح لا ينفع شىء هكذا الوقوف عند حدود التفسير التاريخى للنص لا يفيد ، بل يجب الإنطلاق إلى أمجاد التفسير الروحى.
+ و كما أن الإله بتجسده أخذنا و رفعنا إلى مجد الطبيعة الإلهية عينها ، كذلك ترفعنا حروف و كلمات النص إلى المعنى و القصد الإلهى السامى ... كما أوضحنا فى مقال فلسفة الرمزية عند القديس كيرلس الأسكندرى  

ثانياً : المناهج التفسيرية قبل القديس كيرلس كانت تنبنى على الرؤى الفلسفية ، فرمزية الأسكندرية ترتد إلى مثالية أفلاطون و قد ركزت على لاهوت اللوغوس ، بينما تاريخية و حرفية أنطاكية تجد جذورها فى واقعية أرسططاليس ، أرسطو، تلك التاريخية التى قادت إلى تبنى نظرية الحلول الأقنومى و أدت إلى ظهور الأبولينارية و النسطورية ... كما أوضحنا فى مقال جذور و نتائج الخلاف بين الرمزية و الحرفية.

ثالثاً : صالح القديس كيرلس كل من منهجين الأسكندرية و أنطاكية و جمعهما على أرضية خريستولوجية فى شخص يسوع المسيح الإله المتجسد ، و الرؤيا الخلاصية للاهوت و الأمانة للتعليم الرسولى ، متجنباً شطط الفلسفة و شطوح العقل المُجرَّد... كما أوضحنا فى مقال أصول المنهج الكيرلسى.
انتهى بعون الرب




[1] تفسير إنجيل لوقا : هو عبارة عن سلسلة من العظات لشرح إنجيل لوقا و لها طابع عملى أكثر من الطابع العقيدى فهو من طبيعة مختلفة عن شرح إنجيل يوحنا فهو عبارة عن تجميع لعظات على النص الإنجيلى لإغراض عملية و ليس عقائدية و قد تبقى من النص الأصلى ثلاث عظات كاملة و بعض الشذرات من المخطوطات وجدت فى مجموعة السلاسل الذهبية إلا انه يوجد نسخة سريانية تحتفظ بـ156 عظة منهم و تفسر محتويات النسخة السريانية مفتاحاً لتاريخ تأليف هذا التفسير و هناك على الأقل مرجع واحد للحرومات الإثنى عشر فى عظة 63 فإن ثبتت أصالتها يمكننا القوا أن تاريخ تأليفه نهاية عام 430 م (تاريخ الرسالة الثالثة ضد نسطور التى تحتوى على الحرومات الإثنى عشر 30 /نوفمبر/430 م
و قد استخدمنا ترجمة المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية
 
[2]تفسير إنجيل يوحنا : يرجع تأليفه الى ماقبل النزاع النسطورى و يقع هذا المؤلف الضخم فى 12 كتاب مقسم الى فصول له طابع عقيدى دفاعى و يشدد القديس كيرلس على ألوهية المسيح له المجد و على المساواة فى الجوهر بين الآب و انه ابن الله و هو من نفس جوهر الآب و أن لكل منهما أقنومه الخاص و هو الابن المتجسد و يشير القديس فى مقدمته الى أن الاهتمام الخاص يجب أن يوجه الى المعنى العقائدى للنص و رفض الأفكار الهرطوقية و هو ينقد بحدة فكر الأريوسيين و الإفنوميين و فى شرح طبيعة المسيح و التعاليم الخريستولوجية الخاطئة لأتباع مدرسة أنطاكيا و لم يذكر اسم نسطور و لا لفظ "ثيوطوكوس" و المفردات اللاهوتية المستخدمة ليست هى المستخدمة فى كتاباته بعد النزاع النسطورى لهذه الأسباب أجمع الباحثون على أن شرح إنجيل يوحنا كتب قبل المرحلة النسطورية عام 429 م . و قد استخدمنا ترجمة المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية
 
[3]من هنا فصاعداً قد استخدمنا ترجمة تفسير الأصحاحات 18 إلى 21 من إنجيل يوحنا للدكتور جورج حبيب بباوى فى إبريل 1977 ، و التى صدرت فى كتاب بعنوان " آلام المسيح و قيامته فى إنجيل القديس يوحنا "

Saturday, 26 February 2011

فلسفة الرمزية عند كيرلس الأسكندرى



فــلـــســـفة الرمــــــزيـــة
عند القديس كيرلس الأسكندرى



نظراً لشغفى الدائم بمنهج التفسير الرمزى الذى تبنته مدرسة الأسكندرية اللاهوتية ، فقد حاولت تتبع منابع هذا المنهج ، أى ما هو أصله ، أو ما الدافع أو السبب الذى حفَّز مدرسة الأسكندرية على تبنى هذا المنهج عمَّا عداه من مناهج التفسير ، خصوصاً المنهج التاريخى الحرفى التى تبنته مدرسة أنطاكية اللاهوتية ، و ما هو سبب الإختلاف بين المدرستين ، الأمر الذى وجدته يرجع أساساً إلى خلاف فلسفى قديم بين أفلاطون و أرسطو .
لذلك فسأقدم فى هذا المقال مفهوم القديس كيرلس الكبير للكتاب المقدس و نظرته لكل من المنهجين ، يعقبه مقالاً عن سبب الخلاف بين مدرستى أنطاكية و الأسكندرية من جهتهما ، و ماذا كان موقف القديس كيرلس من هذا الخلاف ، و لماذا اخترته ليكون نقطة الإنطلاق فى هذا البحث .
 
بدايةً ،  يلزمنا  أن  نتعرف  على  مفهوم  كل  من  المنهجين  فى  التفسير [1]:

+ التفسير الحرفى :  و هى طريقة تكرار النص الكتابى باستعمال كلمات مبسطة ، و هذا التفسير ضرورى بسبب غموض النص و لكن يلاحظ أن التكرار لا يكون دائماً أوضح من النص !! فأحياناً يقوم المفسر ، بتلخيص النص و أحياناً يطيل إيضاحه ، و غالباً ما يأتى الشرح الحرفى مباشرةً بعد النص الذى سيقوم بالتعليق عليه ، و قد يأتى الشرح الحرفى أحياناً بعد أن يكون قد بدأ فى تفسير النص الكتابى ثم يتوقف ليقدم الشرح الحرفى عندما يبدو له أن تفسيره للنص لا يمكن إيضاحه إلا عندما يقدم الشرح الحرفى و قد اتبعته بالأخص مدرسة أنطاكية .
+ التفسير الروحى (الرمزى) : فى التقليد الأسكندرى هو التفسير الحقيقى للكتاب المقدس ، و هذا الأسلوب فى التفسير يرتكز على تخطى الحرف للوصول إلى سر المسيح و هو سر مختبىء فى كتب العقد القديم أما فى العهد الجديد فأسلوب التفسير الروحى يقوم على تخطى المادة فى النصوص الكتابية إلى معناها غير المادى.
+ + + + + + + + + + + +
لقد كان القديس كيرلس الأسكندرى ـ بصفته أحد آباء كنيسة الأسكندرية العظماء ـ متحمساً للتفسير الروحى الرمزى فى الكتاب المقدس ، غير أن نجاحه الفائق فى تطبيقه لمبدأ التفسير الروحى للكتاب ، كان يعتمد فى الأساس على التعاليم الخريستولوجية التى آمنت بها و علمت كنيسة الأسكندرية ، أى أن التعليم اللاهوتى الأرثوذكسى هو الأساس لتفسير الكتاب المقدس تفسيراً صحيحاً و متزناً عند القديس كيرلس .


أثر  التعاليم  الخريستولوجية  على  مفهوم  القديس  كيرلس  الأسكندرى  للكتاب  المقدس :

الكتاب المقدس مـثل شخص يسوع المسيح بلاهوته و ناسوته ، فالصياغة المكتوبة للكتاب المقدس و التى تسرد الأحداث و الوقائع التاريخية التى حدثت فعلاً تتوافق مع ناسوته ، فى حين أن المفهوم الروحى للكلمة الإلهية تتوافق مع لاهوته ، فالتفسير الروحى يشير إلى الطبيعة الإلهية ، بينما الحرف و التاريخ إلى الطبيعة البشرية لله الكلمة المتجسد و كل منها يعملان بغير اختلاط و لا إنفصال و كليهما يشير إلى الأخرى
 و كما أن ناسوت المسيح يؤكد ألوهيته و يرفعنا إليه هكذا أيضاً الكتاب ، فالصياغة المكتوبة تؤكد على الذهن الروحى و ترفعنا إليه ، و بالتالى فإن الكتاب ينبغى أن يُفسر و فق هذين الوجهين التاريخى الحرفى ، و الروحى ، و هنا نلاحظ أن القديس كيرلس لم ينادى بمفهوم ثنائي للكتاب ، بل نادى بعلاقة جوهرية بين المفهومين بحيث لا يوجد مفهوم بدون آخر ، كما هو فى حالة الإتحاد الأقنومى بين الطبيعتين فى شخص المسيح الواحد ، هكذا فإن المفهومان لا ينبغى ان يصير مزج بينهما و لا إنفصال ، و هكذا بالتقليد الخريستولوجى ، حددت طبيعة و عمل الكلمة الكتابية تحديداً صارماً.[2]

و هذه الفكرة تجد منبعها من إيمان ق.كيرلس الكبير بوحدة شخص الرب يسوع المسيح و " بالطبيعة الواحدة غير المنقسمة لله الكلمة المتجسد ، فمثلاً نجده يقول  فى الفقرة (15) من رسالته رقم (40) إلى "أكاكيوس" أسقف ميليتين
[ عندما تفحص طريقة التجسد بدقة يرى العقل البشرى بلا شك الاثنتين  (أى الطبيعتين) مجتمعتين معاً بطريقة تفوق الوصف وبلا اختلاط فى اتحاد. إلا إن العقل لا يقسمهما على الإطلاق بعد أن اتحدتا بل يؤمن ويعترف بقوة أن الواحد من الاثنتين هو إله وابن ومسيح ورب .][3]

ويقول أيضا فى الفقرة (14) من نفس الرسالة: [ ولذلك نقول أن الطبيعتين اتحدتا، ومنهما نتج ابن ورب واحد يسوع المسيح، كما نقبل فى أفكارنا، لكن بعد الاتحاد، إذ قد زال الآن التفريق إلى اثنتين، نؤمن أن هناك طبيعة واحدة للابن كواحد، واحد تأنس وتجسد].

و طبقاً لذلك ، فلم يكن تفسير القديس كيرلس للكلام الإلهى تفسيراً رمزياً خالصاً ، فهو يقدم توازناً حكيما ً بين كل من التفسيرين الروحى و الحرفى ، ذلك لأن قناعاته الأساسية هى أن الكلمة المكتوبة لها طبيعتان أو وجهان و بالتالى فلها مفهومان : تاريخى و روحى ، و لابد أن نعمل على أن نصل إلى هذين المفهومين معاً ، و بهذا ، فقد استطاع القديس كيرلس أن يتجنب الأفكار غير الأرثوذكسية و التطرفات الكثيرة التى صدرت من البعض نتيجة للإفراط فى استخدام منهج التفسير الروحى الرمزى من أمثال العلامة أوريجانوس ، فالقديس كيرلس لا ينحاز إلى أى من التفسيرين فلكل منها قيمته و يجب استخدامه بحذر ، أى أن القديس كيرلس كان واعياً جداً لأبعاد هذا الأمر ، و يبدو ملامح مفهوم ق.كيرلس للكتاب المقدس فى الآتى


أولاً : الله  يخــــاطب  الإنــــسان   بـــطريقة  بـــشرية :

 الشئ الذى يميز الكلام الكتابى ، هو أنه يتكلم عن الله و كلمته الأزلى بطريقة بشرية ، و بطريقة تتفق مع المقاييس البشرية ، لأنه لا يمكن أن يتكلم الله أو يعلن عن نفسه إلا بطريقة بشرية قريبة و مفهومة لدى الإنسان ، الأمر الذى يتضح جداً فى العهد الجديد ، فمن البديهى أن العهد الجديد هو نتيجة أساسية لتجسد الكلمة و اللوغوس قبل تجسده كان غير منظور و غير مكتوب ، و بالتجسد صار بحسب طبيعته البشرية مدركاً و منظوراً و مكتوباً.

 لكن هذه الأقوال التاريخية لابد و أن تفهم على أنها أقوال تليق بالله ، لأنه إذا كان الكتاب المقدس يتكلم عنه بطريقة بشرية فإن هذه الطريقة لا تقلل فقط من المجد الإلهى ، لكن على العكس ، فإن العقل البشرى و قصور اللغة البشرية هى السبب الذى جعل الكتاب يتكلم بهذه الطريقة عن الله .
و يمكننا أن نجد الأصل الخريستولوجى لهذا المفهوم عند ق. كيرلس ، فهو قد رفض إداعاء نسطور بأن أقوال و أفعال المسيح (التجسد عينه) تنقص من شأن المجد الإلهى ، لأنه يرى أنه بسبب هذه الأفعال و الأقوال تنسب إلى شخص الإله المتجسد ، فنحن نستطيع بواسطتها التعرف على عظمة و رفعة الجوهر الإلهى ، مثلما أيضاً نعرف رفعة الألوهة من خلال تواضع الإله

 [ إن الحكيم يوحنا الإنجيلى يعلمنا " الكلمة صار جسداً "  فهل كف على أن يكون الكلمة؟ و هل سقط من جلاله؟ و هل جرى له تحول لم يكن عليه سابقاً ؟ إننا نقول ليس الأمر هكذا حاشا ذلك لأنه بالطبيعة غير قابل للتغيير لذلك فبقوله " الكلمة صار جسداً فإن الإنجيلى يعنى انه صار انساناً مثلنا لاننا نحن أنفسنا كثيراً ما نُدعى جسداً لانه مكتوب " و يبصر كل جسد خلاص الرب " (إش 40 : 5 س)  كل إنسان سيبصر خلاص الله لذلك فبينما هو يحتفظ بما كان عليه بدون تغيير إلا انه إذ صار فى حالتنا فانه أخذ شبهنا و لذلك يقال أنه قد صار جسداً ] 
  تفسير إنجيل لوقا ( ص 67)
أى أنه كما أن التجسد لا يُنقص من قدر الله ، كذلك فإن تعبير الله عن نفسه بواسطة الكلام البشرى لا يُنفص من مجده الإلهى .


ثانياً : أهـــمية  التــاريخ  و  الحـــرف  فى  فـــــهم  قصد  الكـــــلام  الإلهــى :

تبعاً لذلك فلكى نعرف سمو المجد الإلهى علينا أن نفهم و بطريقة خاصة ، الشواهد التاريخية و الإنسانية أى ما تليق بالطبيعة البشرية المدونة فى الكتاب المقدس عن الله ، و خاصة أن الإنسان له جسم كثيف و محكوم بقوانين بيولوجية ، أى أن القديس كيرلس لا يتعدى التفسير الحرفى التاريخى ، و لا ينكر تاريخية الأحداث و الأقوال التى يشرحها و كونها حدثت بالفعل ، لكنه يوضح فقط مدى قصور هذا المنهج الحرفى إذا ما تم استخدامه بمفرده
لهذا فإن تشديد القديس كيرلس على أهمية التفسير التاريخى مهم للأسباب التالية :
+ يعتبر هو الظل الذى يقود إلى عمق الروحيات .
+ يشهد بصدق الكلام الإلهى ، لأن ما هو تاريخى هو نموذج و ظلال لما هو روحى.
+ له هدف تربوى و تعليمى أخلاقى ، إذ أن حياة مختارى الله سواء فى العهد القديم أو فى العهد الجديد هم نماذج و قدوة للحياة المسيحية الحقيقية.
و هذه الفكرة تجد نبعها فى فكر القديس كيرلس فى تأكيده الدائم على تجسد الابن الوحيد و وجوده الحقيقى و الحرفى فى التاريخ ، و أنه أخذ نفس جسد بشريتنا بدون استحالة إلى اللاهوت أو ذوبان فيه .
+ فعندما اتهموه بأنه أذاب الطبيعة الناسوتية فى الطبيعة اللاهوتية[4] بقوله طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة
"ميا فيزيس تو ثيؤلوغو سيساركومينى " ، جاوبهم القديس كيرلس بأن كلمة "متجسدة" تثبت استمرار الناسوت أى الطبيعة الإنسانية، بمعنى إن الناسوت لم يذب فى الطبيعة الإلهية، كما أن عبارة "الله الكلمة" تؤكّد استمرار اللاهوت أى الطبيعة الإلهية. لذلك تكلم القديس كيرلس عن الاستمرارية continuity  وقال:"أن الطبيعتين قائمتين و موجودتين بعد الإتحاد "
The two natures persist (to exist) after the union

+ و نقرأ أيضاً من رسالة القديس كيرلس الكبير إلى فاليريان أسقف أيقونية ـ الفقرة الثالة [5]
 [إننا نقول أن كلمة الله الوحيد الجنس، إذ هو روح كإله، بحسب الأسفار المقدسة (يو4 :24) تجسد وتأنس من أجل خلاص البشر، ليس بأن حول (صنع) لنفسه جسداً من طبيعته الخاصة به (أى لاهوته)، ولا بأن فقد ما كان عليه "ألوهيته" ولا بأن حدث لها أى تغيير أو تحول، بل أخذ جسداً طاهراً من العذراء القديسة، جسداً مُحيياً بنفس عاقلة ، وهكذا أعلن أن الجسد هو جسده من إتحاد لا يُدرك وبلا إختلاط ولا يوصف على الإطلاق، ليس كجسد شخص آخر، بل جسده هو الخاص جداً به ، وهكذا أتى الوحيد الجنس إلى العالم كـ" البكر" (رو 8 : 29) وصار ذاك الذى لا يُحصى مع الخليقة - إذ هو الله- "بين إخوة كثيرين".
 وبالتالى، عندما يقال أنه وُلِد"من إمرأة" (غلا 4: 4) يستنتج بالضرورة أنه وُلِد بحسب الجسد، لكى لا يظن أنه يأخذ بداية لوجوده من العذراء القديسة.
        ورغم إنه كائن وموجود قبل كل الدهور، وإنه الله الكلمة الشريك فى الأزلية مع أبيه والكائن فى وحدة معه، إلا أنه عندما أراد أن "يأحذ صورة عبد" (فى2: 7) بحسب مسرة أبيه الصالحة، عندئذ قيل أنه خضع لميلاد من إمرأة بحسب الجسد مثلنا، لذلك بلاشك المولود من الجسد جسد هو، ولكن المولود من الله إله هو، أما المسيح فهو الأمران، إذ هو إبن ورب وله جسده الخاص به، ورغم ذلك ليس "الجسد" غير مُحيياً- كما قلت- بل مُحيياً بنفس عاقلة ]
     أى أنه كما أن كما ينبغى التأكيد على بشرية المسيح ، هكذا تبدو أهمية التأكيد على العنصر التاريخى و الحرفى فى كلمة الله و الإنطلاق منه إلى آفاق التفسير الروحى . لذلك فالقديس كيرلس يفرق بين الكلام الكتابى و كلام الفلسفة اليونانية بقوله إن كلام الفلسفة هو بغير جسد أما الكلام الكتابى فهو متجسد.


ثالثاً : لا ينبغى أن نكون  محصورين فى التفسير الحرفى ، بل  يجب  أن  نـــســـمو  إلى آفاق التفسير الروحى :

يجب أن لا يتم التعامل مع التعبيرات و المعانى اللاهوتية بطرق تاريخية أو لغوية نحوية أو أن يفهمها الإنسان حسب رغبته البشرية ، بل حسبما يليق بالطبيعة الإلهية الفائقة  ، لذلك سيظل الكلام البشرى قاصر و غير كاف لوصف الإلهيات ، و بواسطة الكلام البشرى نستطيع أن نفهم جانباً ما مما هو خاص بالطبيعة الإلهية الفائقة ، فالكلمة الكتابية لا تدل على ما هو الله بالضبط ، بل هى ببساطة تشير إليه .
إذاً ، فالتفسير الكتابى ليس هو شأن لغوى ينحصر فى الفهم الحرفى ـ التاريخى للكلمة ، و لكن هدف التفسير هو المعرفة الإلهية ، بمعنى أنه بينما يستخدم الفكر البشرى و الإماكنيات اللغوية فى التفسير ، إلا أنه لا يجب أن تبقى العملية التفسيرية منحصرة فى الحدود الحرفية للكلمات بل أن تشير دائماً إلى ما هو إلهى ، و ما يرمى إليه التفسير الكتابى هو المعرفة الخلاصية لعمل التدبير الإلهى و هو بهذا يكشف حدود المعرفة الإلهية الحقيقية .

و الذى يحدد معنى كل كلمة فى الكتاب ليس هو التحليل اللغوى لها أو المعنى التاريخى الذى تحمله ، بل أنه ذلك الشىء المخفى فيها فى العمق و سرائرياً و حسب التدبير ، الذى نصل إليه بواسطة التفسير الروحى الرمزى.
فإن التفسير الروحى عند القديس كيرلس يفهم من خلال التجسد الإلهى ، فكما أن لاهوت السيد المسيح يقودنا إلى ألوهيته ، و يعطى مصداقية تاريخية لحقيقة التجسد ، هكذا أيضاً أن الحرف أو الأحداث التاريخية التى وردت فى النصوص تشير إلى ذلك الشئ الروحى الذى يُعلن بواستطها ، فالحرف يخدم سر التدبير الإلهى و المحسوسات البشرية تتجلى بفضل التجسد نحو الحالة الإلهية فى المسيح يسوع.
و بالتالى فإن طريقة التفسير الروحى تتخذ من الحرف و التاريخ أساساً لها ، إذ هى تتعرف من خلال التاريخ على سر المسيح " سر التدبير الإلهى " بمعنى أن التجسد يُعلن هدف التدبير الإلهى و نحن نكتشفه فقط عندما نعيش وفق مات يتفق و سر التدبير الإلهى هذا.

و حيث أن الحرف فقط لا يجدى شيئاً  .. لذلك فلطالما أكد القديس كيرلس على أنه لا يوجد نفع من مجرد الإيمان بناسوت المسيح و جوده التاريخى فقط ، لذلك فهو يشدد كثيراً فى خريستولوجيته على أن المسيح هو الإله الحقيقى و ليس مجرد إنسان حل فيه الإله .
[ من يتجاسر و يقول إن المسيح هو إنسان ملهم من الله و ليس بالحرى هو الله الحقيقى ، لأنه الابن الواحد بالطبيعة ، لأن الكلمة صار جسدا ( يو 1 : 14 ) و اشترك مثلنا فى اللحم و الدم (عب 2 : 14) فليكن محروماً .
 [ من ينسب الأقوال التى فى البشائر و الكتابات الرسولية أو التى قالها القديسون عن المسيح أو التى قالها هو عن نفسه إالى شخصين أو أقنومين ، ناسباً بعضها للإنسان على حدة منفصلا عن كلمة الله و ناسباً الأقوال الأخرى لكونها ملائمة لله فقط إلى كلمة الآب وحده ، فليكن محروماً ] [6]

و كما أن المسيح لا ينفع أولئك الذين يؤمنون أنه مجرد إنسان ،بل يجب الإيمان به كإله حقيقى متجسد .. كذلك لا ينفعنا التفسير الحرفى ما لم نمتد إلى المعنى الروحى الكامن وراء الكلمات الإلهية .
كذلك فإن المسيح الواحد الإله المتجسد هو وحده الذى يمكن أن يكون مخلصاً حقيقياً ، و ليس أى إنسان مختار من الله (ناسوت فقط)  ذلك لأن الخلاص يكمن مبدئياً فى منح الحياة للمخلوقات و أن تستعلن بناء على ذلك الحياة الذاتية و عن طريق إتحاد اللاهوت بالطبيعة البشرية فى المسيح ، يتحقق خلاص الإنسان
[الطبيعة التى خضعت للفساد لا يمكن ان ترتفع إلى عدم الفساد ، إلا بنزول الطبيعة التى تعلو على كل أنواع الفساد ، و التغيِّر و باتحادها بها ، و بالاتحاد ترتفع تلك الساقطة إلى صلاحها الدائم أى إلى عدم الفساد ]
(تفسير إنجيل يوحنا / ك 11 ف 12)
[ أن يكون فى استطاعته أن يمنح للناس سكنى الروح القدس و يجعل هؤلاء الذين يقتربون منه شركاء الطبيعة الإلهية و هذه الخاصية موجودة فى المسيح لا كشىء اكتسبه أو انتقل اليه من آخر بل كخاصية التى يملكها و هى التى تخص جوهره ]
( تفسير إنجيل لوقا / ص 64)
أى أنه عن طريق تجسد المسيح (الناسوت) قد وصلنا إلى الله و صرنا متألهين و شركاء طبيعته المباركة (اللاهوت )،  و بنفس المنطق نستطيع أن نمتد من الكلام الحرفى للكتاب المقدس إلى إدراك المعانى الإلهية الروحية المخفية سرياً فى الألفاظ و الكلمات .


أخيراً
إن التفسير الروحى _ حسب منهج القديس كيرلس _ يستلزم أولاً التمييز الواضح ، و ثانياً إدراك الوحدة غير الممتزجة بين عالمين ، المحسوس و المادى ، الروحى و الذهنى ، مثلما صار الإتحاد الأقنومى بين الطبيعتين الإلهية و البشرية فى شخص المسيح الواحد بغير إختلاط و لا إمتزاج و لا تغيير و لا إنفصال ، و بناءاً عليه ، فعند استخدام التفسير الروحى يكون الهدف هو تجلى العنصر التاريخى الإنسانى الحرفى إلى العنصر الإلهى الروحى و الذى هو متحد معه بغير إمتزاج و لا إنفصال.
يـُتبـَع


[1] محاضرة عن القديس ديديموس الضرير ، للدكتور ميشيل بديع ـ الكورسات المتخصصة للمركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية
[2] انظر الدراسة المتميزة للدكتور جوزيف موريس فلتس عن " أمثلة من تفسير الآباء للكتاب المقدس " المنشورة فى كتاب أرثوذكس حقاً و أيضاً أنجيليون / محاضرات مؤتمر العقيدة الأرثوذكسية فى الفيوم ـ سبتمبر 2004، و التى تعتبر أساس هذا لمقال
[3] لاهوت عقائدى ـ لاهوت مقارن ـ حوارات مسكونية ـ أقوال آباء / مزكرة لنيافة الأنبا بيشوى مطران دمياط ، شرح الأساس اللاهوتى لتعليم الآباء عن طبيعة المسيح
[4] الصراعات الكريستولوجية فى القرنين الرابع و الخامس ـ نيافة الأنبا بيشوى مطران دمياط
[5] لاهوت عقائدى ـ لاهوت مقارن ـ حوارات مسكونية ـ أقوال آباء / مزكرة لنيافة الأنبا بيشوى مطران دمياط (مرجع سابق) 
[6] رسائل القديس كيرلس لنسطور و يوحنا الأنطاكى (الرسالة 17 ) ترجمة المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية