Showing posts with label Christian Philosophy. Show all posts
Showing posts with label Christian Philosophy. Show all posts

Monday, 7 January 2013

لاهوت الإرتقاء / مقاربة مسيحية فى فلسفة التاريخ



لاهوت الإرتقاء
مُقاربة مسيحية فى فلسفة التاريخ

[ لا يؤتى التاريخ ثماره الحقيقية إلا فى الإنتصار للمبدأ الإلهى فى الإبداع الإنسانى الحر ، و هذا ما تقتضية الطبيعة الإنسانية الإلهية للعملية التاريخية ]
الأب سرجيوس بولغاكوف .
...

أخذوه ، توجوه ، ألبسوه ردائاً أرجوانياً كأنه ملك ، و أروه للعالم جريحاً قائلين " هذا هو الإنسان" .. هذا هو إنساننا !
أولى الجراح كانت على يد كوبرنيكُس عندما أعلن أننا لم نعد مركزاً يدور حوله الكون بمنتهى الزهو ، الثاني كان مع داروين حينما سقط جلال أصلنا من إله يجبلنا فى وقار إلى بكتيريا متطورة ، الثالث عندما "مات الله" فى عالم الأخلاق و القيم و النُبل و الجمال على يد نيتشه ، فالرابع عندما لم نعد فى حاجة بعد اليوم إلى الله لتفسير وجودنا فى الكون على يد ستيفن هوكينغ ، حتى وصلنا إلى "الإنسان الأُحفورة" ، التى أعلنت موته الفلسفة البنيوية كما كتب مُنظِّرها كلود ليفى ستروس ، هنا قد بلغت جراحنا خمسة كجراح المسيح ، و مع ذلك ... ينبغى لـ"إنسانى" ألا يكُف عن أن يكون مسيحياً !
...


ما هى مسيحيتى ؟

[ حقيقة المسيح هى وحدها القادرة على بعث الإنسانية ]
فلاديمير سولوفييف [1]
أعتقد أن السؤال الجوهرى الذى يُطرح على مسيحيتى ، هو : كيف يمكن أن يكون شكل تجربتنا البشرية  humanistic experience فى وضعها العينى concrete هنا و الآن،  أى فى كوّننا و مجتمعنا و تاريخنا هذا؟ و كيف يُمكن لإيمانى بالتجسد أن يُشكل وعيى تجاه وجودى و وجود العالم و كل الأمور الحاضرة فيه ؟
طرح تلك الأسئلة يفترض ضمناً أن المسيحية ليست مجرد نظرية للتكفير ،لأن هذا يجعل تجسد الله حادث عارض فى التاريخ نتيجة الخطية و سقوط آدم ، الأمر الذى يقود أيضاً إلى إعتبار الإنسان مجرد حادثة ناتجة من محبة الله و نعمته فقط بدون أى غائية أو قيمة فى حد ذاته ، من المؤسف القول أن تلك النظرة السائدة لا تُمثل إيمان الكنيسة الاولى حيث التجسد ظاهر منذ البدء فى تدبير الله للبشرية كغرض من خلقة الإنسان ، هو عملية كونية و أنثروبولوجية  process anthropologic and cosmologic فى المقام الأول مثلما هو عملية وجودية تُنبئنا بغنى الحضور الإلهى فى مفارق خبراتنا الحياتية .
كإنسان مسيحى أؤمن أن يسوع ليس مجرد شخص جاء ليتألم و يعود بعدها إلى عالمه ، أو فكرة مجردة نحصرها فى كنائسنا لنا نحن فقط و كأننا "خاصة" ، لا ... الابن هو المعنى لكل شىء ، كل دقائق الوجود ، كل حركات التاريخ ، و ذرات الكون تتحرك نحو هدف وحيد و هو التأله ، مشابهة الله ، و الإتحاد به ، ... فى الابن يقوم كل معنى الوجود و الكل يتحرك تجاهه و له ليكون "ابناً "... المسيحية كروح تتغلل فى العالم لتخلقه مسيحاً واحداً قدوساً يقدم نفسه للآب بلا عيب .
إذا أدركنا هذا حينئذ يمكننا أن نبنى تصوراً مسيحياً للتجربة البشرية ، و معناها ، و على أى شكل كامل ينبغى أن تكون ، فمسيحيتى ليست مجرد "مُعطى"، بل هى مهمة نحققها فى تلك الحياة و هى جَعل العالم إلهياً ،لذلك فالبشرية لا ينبغى أن تتلقى النعمة و الحق فقط من الله بل تسعى إلى تحقيقهما فى واقعها التاريخى ، المسيحية ليست فقط ديانة للخلاص الفردى بل هى دعوة لكى يتجلى الإنسان و المجتمع و العالم و الكون كله فى الابن .

. . .
الإنفتاح على الألوهـــه

الإنسان موجود فى التاريخ ، كائن- نحو – العالم Sein-im-welt بحسب تعبير مارتن هيديغر ، لكن كيف يجب لهذا الوجود التاريخى أن يكون ، فى ضوء إيماننا المسيحى بالتجسد ؟
وفقاُ لإيمان الكنيسة، المسيح هو المثالmodel  /Prototype  / Archetype  الذى يتحرك الإنسان نحوه  to  kaq omoiwsin   ، و الإنسانية مدعوّة لتكون "مسيحـاً" أى على صورة هذا الابن الوحيد الذى صار بشراً ، و الذى فيه  تجتمع الألوهية و الإنسانية معاً بلا انفصال فى الغرض أو افتراق فى العمل ، هكذا أفهم مسيحيتى ، أنها دعوة للإنسانية – فى جمعيتها – أن تدخل فى إتحاد مشترك حر free co-uniting مع الله ،إذا كان يسوع هو انفتاح البشرية على الألوهية ، فالبشرية كلها مدعوة أن تُشكل تاريخها ( وجودها العام أو الجمعى ) و تبنى حضارتها فى مقابل هذا الإله المُلطق الذى يدعوها إلى الصلاح ، و الذى فى أبديته وحدها ستجد المعنى الحقيقى لكل ما تنجزه و تُبدعه .
لذلك ، لا يمكن تصور قيام إنسانية ـ بحسب المفهوم المسيحى ـ إلا فى هذا الإتحاد مع الألوهه ، و هو إتحاد حر لا مفروض على الله و لا على الإنسان ، لذلك ينبغى أن تتم بشركة الإنسان فى العمل الإلهى من أجل بناء ملكوت السموات.


. . .
التاريخ ... و الثيـــؤفانيا

"التاريخ هو ظهور الله" ، تلك الفكرة ليست بعيدة عن التراث اللاهوتى ، بحسب إيريناؤس فإن التدبير الإلهى للبشر يقتضى التغير و الحركة ، لذلك فإن نظرته للتاريخ قد انطلقت من كونه مجموعة من التدبيرات الإلهية التى تُجمع فى تدبير شامل ، التدبير الإلهى الكونى صُنع من تدبيرات أصغر متنوعة من الأحداث التى تشكل التصرفات و التوجهات المختلفة التى منحها الله [2] .
فى التاريخ يقوم الراعى الصالح بجميع "أعماله الخلاصية " لكى يقود الإنسان مرة أخرى إلى حظيرته ، تلك الأعمال تنتمى للتاريخ و لكن لا يُجرى تعريفها و تحديدها فى مسارات الأحداث المفردة ، و أعمال الله تلك تعطى معنى لكل قصة البشرية و تشير إليه و تُرى فقط من خلاله ، فهو الذى يتحرك مباشرة تجاة العالم .
كذلك فإن القيم الإنسانية مثل العدالة و الصلاح و الحكمة ـ  غير قابلة للإنفصال عن أصلها الإلهى ـ فإن الله يثبتها فى الخليقة و التاريخ [3] لذلك فإن حضور الله الآنى أو الفورى The immediacy of God يظهر فى التاريخ ، و يجد ذروته فى التجسد و كأنه قمة جبل الزمان .
أى أن التاريخ هو موضوع لتدفق خطة التدبير الإلهى ، فنفس الإله الواحد كُلى الصلاح الذى خلق آدم و رسم الفردوس هو الذى أرسل الطوفان و أنقذ نوح ،  هو الذى أرسل يسوع المسيح و الرسل و دعى الكنيسة[4] ،فإن صلاح الله يتخلخل فى كل أحداث التاريخ .

يلتقى إيريناؤس فى هذا – عبر إختلاف الزمان و المكان و الظرف الثقافى – مع هيجل الفيلسوف الألمانى المثالى ، فلسفة التاريخ لدي هيجل تتميز بطابع ميتافيزيقى ، يقوم على أنه ليس ثمة كثرة فى الوجود بل الوحدة هى الأصل ، فالزمان ليس وحدات مستقلة ، فذلك وَهم يعبر عن عدم المقدرة على رؤية الكل ، و لا يُعبِّر المكان عن استقلال المجتمعات ، إذ أن ذلك من شأنه أن يجعل أحداث التاريخ غير ذات دلالة أو معنى بل مجموعة من المطامع و المطامح تُذبح على هيكلها سعادة الإنسانية ، أما عن الوقائع التاريخية أو الشخصيات المفردة فهى وسائل لقوة أعظم و أعمق ، تسوس الكون و تجعل مسار التاريخ معقولاً و مُحكماً ، فكل شىء يتم وفق العقل الكلى أو روح العالم   Weltgeistالتى تسرى فى أرجاء هذا الوجود المطلق ، [ فإن كان الله هو مالك العالم ، فإن مجال ملكه الحق هو التاريخ  ]
تهدف الروح إلى تحقيق حريتها خلال مسار التاريخ و ذلك بمحاولتها البلوغ إلى مرتبة الوعى الكامل بذاتها ، و لا تكشف عن وعيها الذاتى بالحرية كما تكشفه فى التاريخ ، فهو يعبر عن تقدم الوعى بالحرية ، تلك الحرية وفقاً لهيجل تتحقق فى الدولة بإعتبارها تمثل تموضع الروح أو الفكرة الإلهية متجسدة على الأرض و التجلى النهائى للطبيعة الإلهية !

تاريخ الروح هو تطور عبر الزمن بواسطة أفعال البشر و الدول و الحركات التاريخية العالمية، فبينما تبدو أفعال أفراد التاريخ حرة ، فإن المبدأ الكامن وراء تصرفاتهم يتصف بالضرورة ، و هذا هو الجدل كما يتحقق فى التاريخ ، أفعال البشر تصدر عن إرادتهم الذاتية و لكن جوهر تلك الأفعال عملياً تنجز هدف روح العالم ،مثلاً موت المسيح لم يكن حدثاً منعزلاً بل فى "التاريخ الإلهى الأبدى "
 و مسار التاريخ يكشف عن التقدم سواء فى المظاهر التكنولوجية أو العلمية و هو يشير إلى تقدم الروح نحو تحقيق كمالها ، و يتم ذلك عن طريق الديالكتيك [5] أو "المنطق الجدلى" الذى يكشف عن ديناميكية الوجود و سر حركة التاريخ ، و منطق التعاقب الإرتقائى التدريجى فى وقائعه ، فالتاريخ تطور الروح فى الزمان كما الطبيعة تطور الروح فى المكان .

هيجل يبدى تلك الدفعة الإلهية فى التاريخ ، فى شروط الجدل ، حيث أن العودة إلى إعادة التوافق بين الله و الخليقة هى العودة إلى الله نفسه بإعتباره الروح من خلال قيامة المسيح ،
هذا تبرير لفعل الروح ـ أو بالأحرى الله ـ فى التاريخ ، و هى تفسر مسرى الروح فى التاريخ العالمى ، إن كل ماحدث فى التاريخ فى جوهرة يشكل صميم فعل الله .
. . .
بالطبع ، فإن مقاربات فلسفة التاريخ تلك التى نجدها عند إيريناؤس و هيجل – و أوريجانوس كما سنقرأ فيما بعد[6] - هى مقاربات ذات لغة "مثالية" تركز على دور الله أو العالم الروحى السمائى و لا تُعطى الإهتمام الواجب للدور الإنسانى الحر فى تشكيل تاريخه ، لذلك فقراءتنا لتلك المقاربات هى على سبيل التأكيد على حضور الله فى التاريخ الذى يقوم بدعوة الإنسان للدخول فى عمل مشترك   Synergia  لتشكيل الواقع ، لكى يكون أيقونة الأبدية .
.  .  .
تليولوجيا التاريخ المسيحية

أحدثت المسيحية تغييراً فى النظرة الفلسفية للتاريخ فى عصرها الأول ، فقد كان من المألوف بالنسبة لفلاسفة اليونان الحديث عن "دائرة  الزمن" cyclic time ، قال أرسطو " بالنسبة للزمن ذاته فإن يُمكن تصوره كما لو كان نوعاً من دائرة " و كان يقصد الزمن من الوجهة الأنطولوجية و فلسفة التاريخ [7] فالزمن عند اليونانيين هو أدوار متكررة ، لذلك فهو حقيقة دونية و غريبة عن الإبداع ، نفس الأمر فى الفلسفة الخلدونية [8]حيث التعاقب الدورى للحضارات .
أما فى المسيحية و من قبلها اليهودية ففى ظل الإيمان بإله واحد حقيقى، لم يعد الزمان مؤلهاً ، و لم تعد دورات الزمان هى التى تضع المقياس للحياة و الطبيعة، و أسقط الزمان نفسه عن عرشه ، حسبما قال مولتمان فإن تلك النظرة المسيحية تجد خلفيتها فى التاريخ المقدس حينما كان يُطلق الله وعداً فينتظر الشعب تحقيقه ، فالنظرة البشرية هنا مُركزة نحو نقطة عينية مستقبلية تترجى إتمام هذا الوعى الإلهى فى التاريخ ، فهناك هدف "أرقى" يتحقق فى داخل التاريخ بدون أى تكرار ممكن ، هذا الوعد بالمسيّا هو الذى أعطى الطابع الغائى Teleological   للتاريخ و هو ظهور الابن بالجسد .

[ بينما مجال الحقيقة فى المعنى اليونانى المكان المغلق بشكل كامل ، فمجالها عند إسرائيل هو الزمان المفتوح الذى يسيل بدون شكل .
هناك دائرة الكون التى ترجع إلى ذاتها ، و هنا خط الخلق المتجة إلى مالا نهاية ]
هناك عالم النظر و التأمل و هناك عالم الإصغاء و الإدراك
هناك الصورة و شبهها ، و هناك القرار و الفعل
على نقيض الهدف المكانى و هو الكمال ، هناك هدف التحرر الذى يتحقق فى الزمان ]
م. سوسمان [9]

بحسب أوريجانوس فإن حركة تطور التاريخ كانت مُقادة بوعد الله ، و أيضاً من خلال الأمل و الرجاء و التوقع لحدوث هذا التجسد [ و لكن ألا تتعجب من تلك الشهادات عن الله القدير التى نطق بها الأنبياء، ليس بعد ظهور يسوع لكن قبلما يأتى إلى الحياة الإنسانية ، حتى يمكنك الوقوف فى رهبة أمام  الأنبياء الذين تلقوا الوحى الإلهى .. أن ظهوره فى الحياة البشرية قد سبق و أُعلن بترقُب قبله بسنوات كثيرة ، بواسطة رجال عدة، لذلك فإن كل الأمة اليهودية كانت مُعلقة على توقّع مجيئه ، هذا الذى ترجوا أن يـأتى ] [10]
تقدم التاريخ بحسب فكر أوريجانوس كان يُقدم على أنه تطور حقيقى فى دراما التاريخ ، فهو عملية تطور فعلى فى العالم ، و حقيقة زمكانية ترتبط بقوة بالمستقبل ـ هو واقعاً و ليس مجرد تجربة ذاتية شخصية ، مدفوعاً بهذا "الهدف " الإلهى ، أى ظهور الابن بالجسد .

.  .  .
إلى أين تسير إنسانيتنا ؟

تُمدنا بعض المدارس الفلسفية بإستقراءات خصبة تؤكد النظرة المسيحية فيما يتعلق بالعملية التقدمية للتاريخ ، بدايةً من بعض الفلاسفة اليونانيين ، أمثال بروتاجوراس و أبيقور و الهلينيين مثل سينكا ، حيث البشر يقتربون شيئاً فشيئاً إلى تحقيق النموذج الأمثل للحياة التى يحاذون فيها الكمال ، مروراً بالفيلسوف المسيحى"باسكال: [ إن تعاقب البشر خلال القرون الطويلة المتلاحقة يجب أن يُنظر إليه كوحدة مستمرة تزداد معارفها بصورة مضطردة ] ، كما أعلن ديكارت إيمانه بإمكان تحقيق الإنسان للكمال ، و كذلك بيكون و ليبنتز .
 لكن الشكل الأكثر إكتمالاً لنظرية تقدمية للتاريخ كانت على يد مفكرى عصر التنوير فى القرن السابع عشر ، فالتاريخ الحق هو تاريخ الفكر الذى يكشف عن تقدم العقل البشرى، و من ثمّ أصبحت وحدة الدراسات التاريخية هى الحضارة ، و هى النظرة التى نشات تأثراً بنظرية التطور الداروينية فى الطبيعة، و بالتالى فمسار التاريخ لابد أن ينطوى على تطور نحو ما هو أسمى ،و يهدف أصحاب هذا المذهب إلى استبدال الفردوس الدينى الاسخاطولوجى بفردوس تاريخى ، بحسب فولتير فإن التقدم هو إنتصار قوى النور على الظلام حيث العقل هو المرشد ، لكن التقدم ليس متصلاً و حركة التاريخ ليست صاعدة دائماً ، التفاؤل هو فقط فى العقل الذى يستطيع من خلاله التاريخ مواصلة التقدم عن طريق العلوم و الإكتشافات . و أما كوندرسيه ( 1743 – 1794 ) فيستعرض فى كتابه " مخطط تاريخى لتقدم العقل البشرى" أطوار تقدم الحضارة البشرية من البدائية و عصور الرعى و الزراعة إلى ظهور الفلسفة و العلوم إلى إعادة بعثها من جديد فى العصر الحديث حتى ظهور بيكون و جاليليو و ديكارت ، فإنه [ لم يكن هناك قط أى حد نهائى  لإكتمال القوى و الملكات الإنسانية ، و أن التقدم نحو الكمال لا يخضع إلا لعامل الزمن ] ، أثرت أفكار كوندرسيه بشكل مباشر فى ترجو  [ أن النوع البشرى فى مجموعه يسير دائماً و لو بخطوات بطيئة نحو تقدم أعظم ]
إذا ما انتقلنا إلى إيمانويل كانط نجده يقرر أن عدم استقرار الإنسان هى وسيلة الطبيعة - و هو اللفظ الذى استخدمه ليُعبر عن الله – من أجل تقدم الإنسان ، و أن للطبيعة هدفاً لا يمكن فهمها بدونه ، و غائية التاريخ تلك يحققها النوع الإنسانى ككل لأن حياة الفرد قصيرة و لا تمكنه من استجلاء معنىى التاريخ فتكفل له الطبيعة تسليم تراثه الفكرى إلى أجيال أخرى تتكاتف فى سلسلة طويلة .[ فما قيمة إطراء حكمة الخالق فى مملكة الطبيعة مع اليأس فى عنايته و حكمته فى تاريخ الإنسان؟ ] ، حيث تكشف الظواهر فى عالم الطبيعة أو عالم الإنسان عن إطراد ونظام ، أن مسار التاريخ يبدو كما لو أن هناك عقلاً يدبره .. أحداث التاريخ التى تبدو فوضى تعبر عن نظرة إلى الظواهر من خارج ، أما التغلغل فى باطن أحداث التاريخ فيكشف عن سر النظام فيه و هذا يتعلق بالأشياء فى ذاتها، الكشف عن النظام و الإطراد فيما وراء ما قد يبدو فوضى .

. .  .
لماذا تسير إنسانيتنا على هذا النحو ؟

لكن .. إذا كان ثمة إرتقاء فى مسرى التاريخ كما تخبرنا الفلسفة، فهل يكون لهذا التطور الإنسانى الحضارى فى نطاقه الزمنى علاقة بتدبير الله الخلاصى ؟ أى هل ثمة إرتباط بين هذا الإرتقاء و بين النظرة المسيحية لتطور التاريخ توقعاً لاستعلان الابن فى الجسد ؟
القول أن "تاريخ الخلاص " منفصل عن "تاريخ الإنسانية العام" هو فصل لعمل الله عن خليقته ، و نفى العلاقة بين "التطورين " على المستوى الحضارى و اللاهوتى ،نسف لعقيدة "خلق الإنسان على صورة الله و شبهه" ، و جعل النظرة المسيحية لتطور التاريخ قاصرة فقط على المجىء الأول للابن يطمس رجاءنا الإسخاطولوجى فى الحياة الأخروية مع الله إلى الأبد !

إرتقاء الحضارة هو مظهر لتطور أعمق يحدث على المستوى الوجودى للإنسان نفسه ، فتلك النظرة المسيحية للتاريخ صيغت فى علاقة وثيقة مع عقيدة الخلق ، الذى شرحه آباء الكنيسة اليونانيين ـ بلغة أنطولوجية ـ أن اللوغوس له خطة فى تطور الإنسانية بشكل خاص فى منحنى صاعد نحو الالإتحاد به ، و هذا هو سبب خلق الإنسان على صورة الله و مثاله ، و لما تغربت الإنسانية عن أصلها و شوهت نفسها كصورة الله ، و أخذت معها كل الوجود إلى الإضمحلال ، جاء اللوغوس و أعطاها الحياة مرة أخرى فتواصِل الإرتقاء الحقيقى نحوه صعوداً إلى التأله حتى نبلغ الحياة الأبدية ، و الإنسان يرتقى نحو المسيح بإعتباره نقطة الأوميجا Omega point ، هذا التطور الإنسانى كان جوهر "التاريخ الثالوثى" بحسب تعبيير القديس إيريناؤس .

الله أعطى الإنسان ملء الحرية فى تشكيل واقعه ، لكن إندفاع الإنسان نحو الخلق و الإبداع بحسب المفهوم المسيحى إلهياً بأكثر إمتياز ، و هو ينبع من حقيقة أن الإنسان هو صورة  Εικόνα صورة الله ( الابن) ، فهذا التفجُّر الإبداعى للبشرية ، و إن حدث بملىْ إراتدها فى تفعيل قواها و مواهبها ، إلا أنه ليس إبداعاً منغلقاً على ذاته ، أى ينبع من الغنسانية و يرتد إليها و حدها ، لأنها بذلك ستكون قد فقدت "الىخر" الذى هو الله ، و فى نفس الوقت فإن الإبداع الإنسانى فى تطوير الحضارة ليس مجرد حقيقة أبدية تتجاوز واقعنا ، بل هى عمل و رسالى يجل على الإنسان إتمامها ، فالتاريخ يحثث إرادة الله من الخلق ، و هو تحقيق لحرية البشر و صورتهم الإلهية تدريجياً ، لذلك فإن مسار التاريخ له بداية "أركيولوجيا" فى الخلق ، و له نهاية "إسخاتولوجيا" نستعجلها نحن البشر بعملنا الخلّاق فى التاريخ .

فى اللاهوت الآبائى كان التعليم بالخطية الأصلية مهمل و كان الأمل مفتوحاً للجميع ، السقوط لم يطمس الصورة الإلهية فى الإنسان أو يلغيها بل فقط شوهها ، و هى تستعيد بهاءها و تَكمل تجديدها فى يسوع الابن ، هذا يفتح الطريق أمام الفكر المسيحى صياغة لاهوت متفائل Optimism إنسانياً ، حيث تقدم الإنسان هو عملية إنفتاح تدريجى / ديالكتيكى على الإمكانات الإلهية الأبدية المتاحة للطبيعة البشرية فى دعوتها لتكون على صورة الله و مثاله . كل تاريخ العالم يظهر فى هذا التوليف synthesis بين الإلهى و البشرى .
الأمر يتطلب تخليص النظرة المسيحية للتاريخ من كل العناصر الأغسطينية[11] التى علقت بها نتيجة التأثر بالفكر المثالى كما أنتجته الأفلاطونية و الأفلاطونية الحديثة ، حيث عالم المُثُل هو الأصل و النموذج لكل شىء ، و ما التاريخ البشرى إلا إنعكاساً و صورة له ، و هى أيضاً متأثرة بالنظرة اللاهوتية اليونانية حيث الأحداث التاريخية هى ترجمة بشرية لإرادة الآلهة ، فالبشر أداة فى يد الآلهة لتحقيق مشيئتها فى التاريخ .

.  .  .
خلاص التاريخ بحسب إيريناؤس

[ استجمع ثانية فى نفسه كل تاريخ الإنسان ، مُجملاً الخلاص و مُقدماً إياه لنا ] [12]
ايريناؤس صاحب صيت ذائع فى نظرته التطورية للتاريخ ، و وفقاً لعقيدته "الإنجماع الكلى فى المسيح" Recapitulation -  ανακεφαλαίωσίσ قدّم رؤية واضحة عن "خلاص التاريخ" فى معارضة صريحة للغنوسية ، و ذلك فى أول قسمين و نصف من كتابه Against heresies  [ فإن الكون و التاريخ قد احتُضنا و  أُعطى لهما شكلاً و نظاماً ، و شفيا و افتُديا ]
تبعاً لذلك فإن للتاريخ طابع وحدوى يستمد من وحدة الإنسان و الكنيسة ، و وحدة الثالوث الذى يسبق التاريخ و الخليقة  [13]، و هو"تاريخ مستمر " لأن له شكلاً مميزاً غائياً بالمسيح الذى هو هدف كل النبوات ، فنحن نستطيع أن ندرك استمرارية التاريخ تحت يد الابن ، الذى كان من أجل الآب يدير و يُكمِّل كل الأشياء منذ البدء إلى النهاية ، و الذى بدونه لن يعرف أحد الله  ،  لذلك يجب على مفسرى الكتب الإلهية الأخذ فى الإعتبار "نمط خلاص التاريخ" المُعلن فى الأسفار المقدسة  .

التاريخ يقع فى قلب تدبير الله الخلاصى للبشرية ، و التجسد كان إصلاح للتدبير الإلهى فيه ، و التبادل الإلهى بين الله و الإنسان ( يصير الله إنساناً ليصير الإنسان إلهاً ) لا يحدث حصراً عن طريق التجسد بل يسرى فى كل التاريخ ، إن استعلان الآب بواسطة الابن ليس أمراً مستقبلاً بل هو أحداث حاضرة و التى تجرى من خلال الزمن  ، و نحن ننتقل إلى تدبير الله فى الخليقة من خلال خلاص التاريخ [14]، و بذلك فإن الخطة الإلهية تُعلن عن نفسها بشكل رائع فى وحدتها و تقدمها المتطور .

إيريناؤس لم يكن أفضل من هيجل عندما رأى التاريخ البشرى هو عودة الراعى الإلهى المبتهج إلى الخروف الضال و يحمله على كتفيه ، و لكن المنطق وراء المجاز قد أُوضح بواسطة هيجل

.  .  .
بين الإسخاطولوجيا و الكايرولوجيا
عندما وقف يسوع مخاطباً الآب قائلاً "ليأتى ملكوتك على الأرض كما فى السماء" ، فإنه كان يفتح أذهان البشرية إلى تلقى نعمه الله الأبدية ، الآن فى التاريخ ، التأله ، و الخلاص ، مشابهه الله كلها أمور "أخروية" ، و لكنها بفعل تجسد الله فى التاريخ أصبحت "كايرولوجية" أى حاضرة فى عالمنا و واقعنا هذا ، عبّر أوريجانوس عن ذاك المفهوم حين أعلن أن الحياة الأبدية هى حالة وجودية تتحقق نتيجة عملية التحسين الإنسانى المستمر ، و نتيجة لتطور تدريجى نحو الكمال :
[ دعونا ألَّا نكون مندهشين من النعيم الرائع الذى للشهداء ، هذا "النعيم" متحقق فى السلام العميق و الهدوء و النورانية الموجودة منذ البدء و لكن بصورة قاتمة ،و إن جاز التعبير فهى "مسكناً شتوياً " ، فإن الكلمة التى قيلت فى نشيد الأنشاد للعروس التى أتت فى الشتاء تقول " أجاب حبيبى و قال لى : قومى يا حبيبتى يا جميلتى و تعالى ، ان الشتاء قد مضى و المطر مر و زال" ( نش 2 : 10 – 11 ) ، يجب عليك أيضاً أن تأخذ فى الإعتبار انه ليس ثمة سبيل إلى الاستماع إلى نداء " الشتاء قد مضى" إلا إذا كنت قد ناضلت بشجاعة و قوة خلال فصل الشتاء الحالى ، و بعد أن يكون الشتاء قد مضى و المطر قد عبر حينئذ يقوم التقدم ، بعد ذلك سوف تظهر الزهور " النباتات فى بيت الرب ، لابد أن تزهر فى أروقة إلهنا "[15] 

إن فكرة "السير" نحو الحياة الأبدية منسجم مع تصور الزمن بإعتباره إمتداد للطابع التليولوجى المتجه نحو المسيح ، و التى يتضح من خلالها أننا  نصل الحياة الأبدية من خلال الإعداد للأسباب الوجودية existential causality     المُفضية لها فى واقعنا التاريخى هذا .
أوريجانوس يستخدم بعض الأحداث و النبوات من الكتب المقدسة (مثل ما كُتب فى نهاية نبوات حزقيال و رؤياه / رؤيا يوحنا عن مدينة الله أورشاليم السمائية / كتاب العدد لموسى /خيم بنى إسرائيل ) كحجج على صحة التعليم المستيكى القائل أن النفوس تدخل فى تأمل الأشياء الإلهية و هى لازالت بعد فى الزمن.[16]

الحياة الأبدية ترتبط بالوعى و العمل المسؤول ، هى عملية أخلاقية تسير منذ البدء نحو التأله ، و هذه هى الطريقة التى نفهم بها تطور التاريخ ، فإن الله يدعونا إلى استعجال تحقيق كافة الأمور التى تخص الكمال ، حتى إذا ما أتى يوم العاشر من الشهر الأول ( يش 4 ) نكون قادرين على دخول أرض الموعد تلك التى سوف نتنعم فيها بحياة مثالية . 

فاللاهوت الأوريجانى لا يجعل الخلاص مستقبلاً أسطورياً غير محدد ، لقد أشار إلى أن التأليه يحدث هنا على الأرض إعتباراً من الآن ، الفداء ممكن و يجب السعى نحوه و تحقيقه فى التاريخ فى الخروج من المآزق الإجتماعية و الجمود الفكرى القاتل  ، إنه يسلط الضوء على الأهمية العظمى للإنسان و دوره فى تطور الزمن التاريخى ، الحلقات و الظروف التاريخية تبدو أنها تحدِ متواصل ، فى تلك اللحظة يجب على الإنسان أن يتعهد بنضاله الشخصى لكى يحقق مهمته الحقيقية ... إعلان ملكوت الله فى الأرض .

 هذا الكشف يعطى معناً خاصاً للظروف التاريخية ، هذه هى الحكمة أن نفهم أسباب تلك الأمور الحاضرة ، تلك التى يعطيها لنا اللوغوس و الروح القدس .
 هذا التلاقى بين الله و الإنسان فى فعل الخلاص لا يدخل فى أى تجربة غير تاريخية ، لأن الإنسان لايخرج من الزمن ، بل أن اللوغوس هو العامل فى التاريخ ، و الإنسان يضطلع بعملية تشكيل التاريخ أخلاقياً فى إطار مسئولياته الخاصة .

بالتالى يكون تاريخ الخلاص هو سلسلة من الأحداث الحقيقية فى العالم ، و هو يتحقق عبر الزمن ، و ليس من خلال أيّة ذاتية إذا كانت وهمية و تدعو للهروب من التاريخ ، لا توجد إمكانية للخلاص إلا من خلال الزمن ، أى من خلال التاريخ ، الخلاص بمعنى الهروب من الزمن هو خلاص غير موجود و يجب أن يرفض لأنه وهم خيالى سخيف ! و الخلاص لايمكن أن يتحقق لمخلوقات خاملة !

لقد ظل اوريجانوس يدفع فى طريق الضغط على إمكانيات الخلاص من خلال الفعل التاريخى و أن الحياة الأبدية تُختبر خلال هذه الحياة ، و إن كان هذا هو موقف زمكاني حقيقى يُمكن بالفعل أن يُعاش فى المستقبل ، الحياة الأبدية يمكن أن تختبر فى اللحظة القادمة من خلال الكنيسة التى تُقدم الحقيقة الإسخاطولوجية ماثلة أمام أعيننا .
. . .
تأليـــه التاريخ

من كل هذا نَخلُص أن الإنسانية ـ فى عقلها الجمعى ـ تتطور بإطراد مستمر إلى الأمام نحو الأبدية عينها ، و فقاً لخطة إلهية ... لكى تشابه اللوغوس و تؤهل للإتحاد به ، الذى هو غرض وجودها .
الله يقود الإنسانية كلها من أجل الخلاص فى الزمن حيث الإبداع الخلّاق ، هكذا أفهم المسيحية ، أن دعوتنا لا تتحرك تجاه وجود متعالى فى عالم آخر منفصل عنا فقط ، بل أن الخلاص و هزيمة الموت و الأبدية كلهم محايث و كامن هُنا و الآن ، دعوتنا هى للحركة نحو الهدف الأعظم و هو جعل العالم إلهياً ، أى إقامة ملكوت الله على الأرض ، و هو  بناء الحضارة و القضاء على الحروب و المرض و الجوع و الفقر و أى شىء يُهدد حياة إنسان ، هنا يصدق قول شليغل ، [[ إن الرغبة الثورية فى تشييد ملكوت الله ، هى بداية التاريخ الحديث ]]

أحد المفكرين المسيحيين قد استوعب تلك الحقيقة فكتب:
[ إذا استطاع الإنسان عن طريق العلم و الفعل أن يحول سائر قوى الطبيعة العمياء الآن و المعادية له فى أغلب الأحيان ، إلى أدوات و أجهزة للإنسانية و قوى واهبة للحياة ،.. و إذا أدركت الإنسانية كيفية السيطرة على الطبيعة استطاعت أن تقهر الموت ، بل تستطيع أكثر من ذلك إذا ينبغى عليها أن تُعيد بعث جميع أسلافها ، فإذا أصبحت الإنسانية متعددة فى الواحد multe-une   أو  واحدة فى التعدد كالثالوث الذى هو الآب و الابن و الروح القدس ، فإنها ستبلغ من عدم الإنقسام حداً يجعل من المستحيل وجود أى إنفصال أو إنعزال فيها ، أعنى وجود الموت ]
N.F.Fidorof (1828-1903)[17]

هل يمكننى القول أن هذا يُماثل الصراع الملحمى الذى خاضه المسيح ضد الموت ؟ .. نعم ، هذا صراع الإنسانية فى المسيح ، و هو الذى يهبه قوة الحركة و الاندفاع اللانهائى نحو غلبة قوى العدم و  الإضمحلال ، من أجل قيام الخليقة كلها ، و كأنها مسيحاً كونياً واحداً .

لذلك يجب على الكنيسة أن تستوعب كافة ما تحققه الإنسانية فى ذاتها من مكاسب و إعلان حق المسيحى فى الحياة الإجتماعية كما فى الحياة الروحية ، أى تقدم للإنسانية فى الإصلاح الإجتماعى او الإقتصادى او تقدم للحريات أو أى حركة تطور نحو الافضل فى التاريخ هى حركة نحو الله ذاته و تحقيق للمبدأ المسيحى الانطولوجى فى الوجود البشرى ، صحيح أن إرتقاء الإنسان يتحرك عبر التاريخ ، إلا أنه يتجاوزه فيما وراءه، نحو  المسيح الكونى الواحد .

التأله لن يتحقق كحدث ميتافيزيقى خارق مفارق للطبيعة ، بل يتجلى فى العلم و الفن و الفلسفة و الموسيقى و الحس الراقى ، كل إبداع إنسانى ـ فى يسوع المسيح-  يَطُل من كوّة صغيرة ، على لجج الأبدية .
...

Bibliography & Further Readings :

1 – N. A. Berdyaev – The Idea of God- Manhood in VL. Solov’ev.

2 –Gregory Bienstock 1940 – Church and God Manhood in Russian Religious Philosophy
3 - Eric Osborn - St. Irenaeus
4 - P. Tzamalikos - Origen Philosophy of History and Eschatology
5 - Matthew Craig Steenberg Of God and man theology as anthropology from Irenaeus to Athanasius    2009
6 – Hegel’s Social and Political Thought – David A. Duquette (IEP)
7- فى فلسفة التاريخ / د. أحمد محمود صبحى.
8– لاهوت التاريخ البشرى / الأب فاضل سيداروس اليسوعى.
9 - فكرة الزمان عبر التاريخ / كولن ويلسون.
10-  تاريخ الفلسفة الروسية / نيقولاى لوسكى.


1 – فيلسوف مسيحى روسى ، هو الذى صاغ مصطلح إنسانية الله
2  - Ir  (3.12.13).
 Ir  (2.30.9; cf. 4.36.6).
4 – Ir (2.30.9)
5الجدل هو صراع ، هو إنحلال تنبثق عنه نهضة كما يخرج الحى من الميت موضوعه الصراع و القوى المتعارضة و تحقيقها لذاتها خلال هذا الصراع،

– بحسب أوريجانوس : التاريخ هو "عطية" من الله و الإنسان يتلقى تلك العطية ، الإنسان يستقبل التاريخ كما لو كان تاريخه الخاص ! 

7 - P. Tzamalikos - Origen Philosophy of History and Eschatology, P 142
8– نسبة إلى ابن خلدون المؤرخ و الفيلسوف العربى المسلم
9ـ -  الأب فاضل سيداروس اليسوعى / لاهوت التاريخى البشرى / صـ 11
10  -  Cels, III, 28; italics mine.
11 – تلك التى نظَّر لها القديس أغسطينوس فى كتاب مدينة الله حيث العناية الإلهية التى تسير تُسيّر احداث التاريخ إلى غايتها ]
 ( 4  : 38 : 1  ) Ir  - 12
- 13  Ir  (4.14.1; cf. Jn 17:5)
14 – Ir (ch. 4).
1 Psalm 91, 14. exhMar, XXXI
 - 16  Cels, VI, 23.
17ـ وصل فيدوروف إلى حد القول بإمكانية تحقق قيامة الأموات عن طريق إعادة الموتى إلى الحياة بوسائل بشرية "ضع أجزاء الآلة إلى جنب بعضها البعض فيعود غليها الوعى" ـ و قد أثرت أفكار فيدوروف على مشاريع الحكومة السوفينية فيما بعد.

Wednesday, 27 April 2011

الآلام معبرنا إلى المجد/ متى المسكين مع تعليقات


الآلام ...معبرنا إلى المجد !
للأب متى المسكين / مع تعليقات.


طوبى للحزانى ... لأنهم يتعزون !
طوبى للمصلوبين لأنهو يتجلون !
طوبى للمنسحقين ... لأنه يملكون !
طوبى للجياع لأنه يُشبعون !

حيث تُنسى هناك كل أوجاعهم و تُمسح دموعهم ، و ينمو موضعها نور يشير إلى الأهوال التى اجتازوها و إلى سر المجد الحاصل منها ، و يشرح عظم صبر الإنسان و قوة مراحم الله ، حيث تبدو النسبة بين مقدار الألم و مقدار المجد الحاصل منه نسبة غير معقولة و مضحكة ... فيرى الإنسان عياناً و يكتشف أن الآلام كانت فخاً مقدساً نصبه الله ليصطاد به الإنسان إلى مجده ... فاحتمال الألم أقوى من العبادة !!!
و يقول أحد القديسين أنه رأى فى رؤيا جماعة من الشهداء بمناظر مزهلة بمجد يفوق مجد الملائكة الذين ظهروا معهم فى نفس الرؤيا ، و رأى حول أعناق الذين ماتوا منهم ذبحاً بالسيف زهوراً حمراء كعقد ، موضع الذبح ، تضىء و تتلألأ بمنظر يخطف الأبصار أشد لمعاناً من كل نور آخر ظهر فى الرؤيا !

إن سر الصليب بالنسبة للمسيح هو سر مجده ! ... فالألم الساحق الذى عاناه الرب تحت وطأة التمزيق النفسى بسبب الظلم و الإلتواء الذى شاهده أثناء المحاكمة ، مع خيانة التلاميذ و تسليم يهوذا ، و احساسه أن حياته ثمنَّها رؤساء الكهنة باتفاق مع أحد التلاميذ بثلاثين من الفضة !!
هذه كلها كانت معبراً من عالم التفاهة المتناهية إلى مجد الآب ... و على هذا المعبر عينه تلزم أن تمر أقدام الإنسان فى كل زمان و مكان ... الصليب بآلامه الرهيبة لا يمكن أن يساوى المجد الذى حصل منه !
الصليب لم يصادف الرب فى طريق حياته ، و لكنه وُلد له " لأَجْلِ هذَا أَتَيْتُ إِلَى هذِهِ السَّاعَةِ " ( يو 12 : 27 ) . الإنسان يولد للألم ، و الألم مولود للإنسان ... و لكن فى نفس الوقت ، الصليب لم يكن إلزاماً حتمياً على الرب ، كما نشعر من كلامه و كما نتأكد من جهة قداسته و لاهوته ، و لكنه هو نفسه جعله إلزاماً حتمياً على نفسه " الْكَأْسُ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ أَلاَ أَشْرَبُهَا؟ " ( يو 18 : 11 ) ذلك لكى يشاركنا فى حتمية الألم ، فبدا الله فى شخص المسيح إبنه أنه يتألم اضطراراً حتى يجعل اضطرار الألم مساوياً لإختياره حتى لا يُحرم أى إنسان فى الوجود من رحمه الله ، و لكى يمتد الصليب لكى يشمل كل من تألم ظلماً !

إن الألم بحد ذاته عثرة كبرى لعقل الإنسان ، فالعقل لا يجيز الألم كواسطة لأى خير ، لأنه يظن أنه فى المعرفة خلوصاً من الألم ، و هو يجاهد فى ميدان الطب مثلاً و فى الميادين الأخرى أن يلغى الألم و يريح الإنسان !
و لو دققنا التأمل نجد أن محاولة التربية و التعليم بكل صنوفها من أول ما يحاول الإنسان تعلم الألف باء إلى الصاروخ ، هو محاولة أساسية لتجنب الإنسان الألم و التعب و العوز ...

لذلك فحتمية الألم لدى العقل أمر عسير و شاق جداً بل و محال قبولها ، لأن الرضى بالألم هو بعينه إلغاء العقل و كل نشاطه .. فالصليب جهالة و عثرة فعلاً لدى اليونانيين - كما يقول بولس الرسول ( 1كو 1 : 22 ) - أى هو عثرة الفلسفة ، لأن الفلسفة تحاول جاهداً الوصول إلى الله عن طريق التأمل الأفلاطونى الحر الخالى من التضحية ـ أى الألم المؤدى إلى الموت .
و هذا اللون من الإجتراء العقلى فى محاولته البلوغ إلى الله ، دخل المسيحية عن طريق التصوف الوثنى و لوَّنها  ، فأوريجانوس يقول بإمكانية الإتحاد بالله عن طريق التأمل جاعلاً الله فى الوضع الإستاتيكى و العقل فى الوضع الديناميكى ، أى أنه ثبَّت الله فى نقطة و جعل العقل هو الذى يسعى إليه  ، هذا إجتراء وثنى ناتج عن عدم شعور الإنسان بأبوة الله و نزول المسيح و تودد الروح القدس و دخوله قلب الإنسان !
و الحقيقة عكسية ، فالإنسان دائماً أبداً فى الوضع الإستاتيكى و الله هو الذى يتحرك نحوه " ليأت ملكوتك " ، منتهى تحرك الإنسان هو أن يكون يقظاً لتحرك الله مستعداً لمجيئه " مستعد قَلْبِي يَا اَللهُ، مستعد قَلْبِي " ( مز 57 : 7 )
فلو أدركنا أن الصليب هو أعظم مظاهر تحرك الله على الصعيد العيانى المنظور الذى فيه تجلى الله للإنسان ( أكثر من تجليه على طور تابور ) و أن الصليب هو الألم فى صورته العظمى التعسفية الظالمة ، حينئذ علينا أن نحس أن الصليب هو الدابة التى ركبها الله القدير و انحدر عليها من مكان سكناه هناك ، من موطن احتجابه الأزلى و جاء إلينا و صافحنا يداً بيد ، الصليب هو قوة ديناميكية الله الفائقة التى أحدرت الله إلينا و استعلنته واضحاً ، أى أن الألم بصورته المادية جحود و انحصار و توقف و بجوهره الروحى تحرك ، و أى تحرك !

 الإنسان يظل متوقفاً روحياً و عاطلاً عن المسير راجعاً مع المسيح إلى الله إلى أن يحمل صليبه ، الإلم يُدخل الإنسان فى سر الصليب ، سر التحرك الإلهى ، فلا يتوقف كميت بل يسير مشدوداً إلى المسيح منقاداً و منجذباً من ألم إلى ألم إلى أن يبلغ الآب محمولاً على صليبه تابعاً المسيح ...
الإنسان يستحيل أن يتحرك نحو الله عقلياً ، فالعقل مهما بلغ بالتأمل إنما يكتشف الله و حسب ، و يكتشف نوره و حبه و يسعد و يرتد ... التحرك بالحقيقى كائن بالمسيح فهو إبن الله الآتى إلينا على الصليب ، و على الصليب نتبعه إلى الآب ...
فهو يقول "
لأَنَّكُمْ بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا " (يو 15 : 5 ) ليس هذا احتكاراً تعسفياً لإرادتنا و لا هو بسبب قصورنا فى المعرفة ـ لأنه عرَّفنا بكل شىء ـ و لكن لأنه الوحيد ـ كإبن ـ يحمل قوة التحرك نحو الله الآب

 المسيح هو الوحيد الذى له قوة التحرك نحو الآب ، لأن ابن الله الوحيد الذى من جوهر الآب ، فهو دائماً فى حضن الآب و متجة نحو الآب ( و كلمة "بروس " اليونانية المستعملة فى الآية الأولى من إنجيل يوحنا و التى تُترجم عادة بلفظ "عند" "الكلمة كان عند الله" تعطى معنى " نحو" أى " الكلمة كان نحو الله " ( يو 1: 1 )
هذه القوة هى طبيعية فى المسيح قبل التجسد و الصلب و لكن لكى يدخل بالإنسان الميت  و يحمله إلى الآب كان لابد بعد أن تجسد و صار إنساناً أن يجتاز الألم الفدائى حتى يمكن أن يحملنا و يدخل بنا إلى الآب فيكون المسيح بذلك قد اكتسب بالصليب قوة لنا و من أجلنا ـ أى قوة التحرك بالبشرية الخاطئة نحو الآب " لأَنَّهُ لاَقَ بِذَاكَ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ الْكُلُّ وَبِهِ الْكُلُّ، وَهُوَ آتٍ بِأَبْنَاءٍ كَثِيرِينَ إِلَى الْمَجْدِ، أَنْ يُكَمِّلَ رَئِيسَ خَلاَصِهِمْ بِالآلاَمِ" ( عب 2 : 10 )

و المسيح يحمل قوة حركتين :
حركة من الله الآب نحونا ، و حركة منا نحو الآب :
الأولى طبيعية و هو جوهرية كائنة فى سر الحب نحو خليقته !
و الثانية مكتسبة بالصليب ... أى بالألم الفدائى الذى أهَّل أن يحمل الإنسان الميت و يصعد به !!
و المسيح سكب فينا سر هاتين القوتين : قوة الحب ، و قوة الصليب ( الألم ) ـ و بقبولنا هاتين القوتين يعمل المسيح فينا سراً لنتحرك به و معه إلى أن نصل إلى الآب و يتم بهما و فيه السر الأعظم ، سر الإتحاد بالله .
ختاماً ـ استودعك لتدبير عنية الله الفائقة التى تُسخِّر السنين و الأزمنة و الأوقات و الحاودث و لك ما يصيب الإنسان و ما يصيبه الإنسان لتكميل خطة الفداء العامة لخلاص الإنسان !

كُن مُعافى .

من رسالة كتبها الأب متى المسكين جواياُ على سائل
 و قد نشرت عام 1968 م فى مجلة النور اللبنانية .[1]


+ + +


تـعلـيقــات !

مشكلة الألم تشغل بالى كثيراً ،تحيرنى و طالما فكرت فيها بعمق ، لقد وجدت بعضاً مما كنت أنشده فى هذا المقال الرائع الذى كتبه العظيم متى المسكين ، إلا إنى لو توقفت عند حد قراءة مقال فإن هذا يدل على توقف أنشطة العقل و التأمل، و لأن مشكلة كهذه لا تعالج نقلياً فقط ، فقررت أن أترك بعض التعليقات و الأفكار التى تعبر عن اختبارى و رؤيتى لها ، و فضَّلت أن أفصل بين المقال و التعليق لأنى أخشى من ضعف لغة التعبير ، بل و ركاكة الأفكار و الأسلوب ، حتى إذا ما اختلطت تعليقاتى مع حديث هذا الأب القديس ، سوف يضر هذا بقارئى العزيز أشد الضرر !
و أقول أن هذه مجرد أفكار و خواطر من نتاج عقلى ، تلك التى فتحت أمامى باباً أوسع من التساؤلات بل و الرغبة فى البحث عن معنى الألم فى الكتابات الإلهية ، فأنا هنا لا أقدم دراسة لاهوتية عن الألم [2]، بل مجرد خواطر أرجو ألَّا تهبط إلى مستوى الترهات !


حــتمــية الألم  !

أول ما يجب أن يدركه الإنسان عن الألم هو حتميته ، الألم هو وضع ثابت و مُتأصِّل فى الطبيعة البشرية منذ سقوط الإنسان الأول ، آدم ، كما يُخبرنا تكوين موسى ،  فلقد نجح الشرير أن يضع فيه هذه الأصل ، و يزرع فيه تلك البذرة ، بذرة الألم و التعب و المرض و العوز ، و ها نحن نسمع الله يقول لهذا البائس "بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. وَشَوْكًا وَحَسَكًا تُنْبِتُ لَكَ، وَتَأْكُلُ عُشْبَ الْحَقْلِ. بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزًا حَتَّى تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا... تَكْثِيرًا أُكَثِّرُ أَتْعَابَ حَبَلِكِ، بِالْوَجَعِ تَلِدِينَ أَوْلاَدًا" ( تك 3 : 16 ـ 19)
" اَلإِنْسَانُ مَوْلُودُ الْمَرْأَةِ، قَلِيلُ الأَيَّامِ وَشَبْعَانُ تَعَبًا" ( أى 14 : 1 )
" صعوبات كثيرة تنتظر الإنسان من المهد ، و نير ثقيل على بنى آدم ، من يوم خروجهم من أرحام أمهاتهم إلى يوم دفنهم فى الأرض أمام الجميع " (يشوع بن سيراخ 40 : 1،2 / الترجمة العربية المشتركة )
فالألم صار فعلاً ملازماً للإنسان طول حياته ، كلما يريد أن يتخلص منه يجده حاضراً عنده !
و كل الإنفعالات و التأوُّهات و الصرخات و المرارة و المراثى التى تذخر بها الكتب المقدسة ، و الأدب الإنسانى على حد سواء ،تقف شاهاً على هذه الحقيقة ، التى قليلون هم الذين يدركونها !
الإنسان يحاول أن يتجنب الألم ، لكنه لا يستطيع أن يهرب من حتميته !
الألم فى طبيعة الإنسان ، فمن يهرب من الألم يهرب من طبيعته !


محـاولات عبثــية  !

أخى القارىء ... رأيت كلام الأب القديس عن المعرفة ، و الطب و التعليم كوسائل للتخلص من الألم أو على الأقل تجنبه ، أما أنا فأكلِّمك عن الإقتصاد !
الإقتصاد هو من أهم المحاولات الإنسانية للتخلص من التعب و الألم أو الوصول بهما إلى أدنى مستوى ممكن فى إطار المُتاحات التى يمتلكها الإنسان ، بل و تحقيق الإشباع و الراحة و الرفاهة ، و فى هذا تذهب النظريات لوضع الأسس الفلسفية و الإجتماعية و العملية لأصل هذا الهدف و وسائل تحقيقه .

قال أحد فلاسفة الإقتصاد :
 " أن الإنسان يسعى دائماً نحو هدف متحرك ، يبعد عنه باستمرار "
 هذا الهدف إقتصادياً هو الشبع و إقصاء الفقر و الحاجة
 نعم ... فالقضاء على الألم هو هدف متحرك كلما أدرك الإنسان جزءاً منه  تكشَّف له أنه أمام بحر لا نهاية له من الحاجات ـ تلك التى تسبب له الألم و المعاناة ـ ، ليس فقط إذا لم يُشبعها فعلاً ، بل و كلما فكر فى إشباعها أيضاً !

إذن ... القبول بالألم هو إلغاء العقل ، لأن كل الأنشطة و النظم العقلية منصبه على إلغاء الألم !

و من هنا ينشأ الصراع ... الصراع بين العقل الإنسانى الذى يستثقل الألم و يريد أن يذيح ذكراه و آثاره ، و بين طبيعة الألم نفسه كفعل ملازم و وضع ثابت فى الإنسان ، فكما قرأنا لأبانا القديس أن " الإنسان يولد للألم ، و الألم مولود للإنسان " !
هذا صراع أبدى ، أُقر بعدم إمكانية انتهائه تلقائياً أو حتى تدبيرياً ( إقتصادياً ) بفعل سلبى أو إيجابى يقوم به الإنسان
بل أعتقد أنه ينتهى فى اللحظة التى يتكشف فيها للإنسان قدرته على تحويل هذا الألم إلى مجد !
 هذا الصراع لا يؤدى إلى نتائجه و لا تظهر آثاره إلا فى لحظة إدراك تلك الحقيقة !

يا للغباء البشرى ! المرء لا يعرف أنه لا يوجد ما يشبعه أو يرويه إلا إدراك سر .. هو سر الألم عينه ! ، أو أن يظل حاملاً أوجاعة طول حياته ، التى لم تعد "حياة " بالحقيقة !


استعلان المنـفــعة من داخل الألم :

هنا أتكلم على مستوى الإنسان الطبيعى الذى يستطيع أن يكتشف سر الألم ـ جزئياً ـ عن طريق ممارسة أفعال العقل و التفكير فى حوادث الألم ، حتى يستطيع أن يكتشف منفعة الألم بالنسبة له .
الألم صديق حميم ، يأخذ الإنسان ليعرفه على ذاته و على الآخرين و يدخله إلى أعماق الحياة ، و كرفيق حكيم يكشف له أسرارها و يعرفه على خباياها و حقيقتها !

بالألم يعطى لنا الرب معرفة أنفسنا !
بالألم نحصل على الحكمة !
بالألم نكتشف الحقيقة التى كنا نظنها غائبة عنا ، و هى حاضرة فى داخلنا !
مشكلة الإنسان انه لا يستطيع أن يكتشف سر الألم .. الذى هو عطية من الله !
لا يستطيع أن يدرك الأمجاد و المكاسب التى يحصل عليها من الألم .

ربما تكون الراحة و الصحة و السلام و الهناءة بل و السلطة و الرئاسة و المال غير نافعة مثل منفعة المتاعب و لا تقوده إلى المعرفة الحقة ، لأنها تلهي المرء عن نفسه، اما الآلام و الضيقات فتفتح له آفاق إدراكها!
ربما يكون أعداء المرء أكثر منفعة له من أحباءه ، إنهم كمصدر إلهى يستطيع به أن يفحص قلبه و ينقى ضميره و يكشف عيوبه باستمرار ، يكتشفها لا بالمعرفة أو النصيحة او بالأرشاد ، بل بالخيرة الحية و بالمواجهة !

و هنا يجب أن ينتبه الإنسان أشد الإنتباه ، فإذا لم يدرك هو هذه الحقيقة ، ارتد إلى الحزن و الكآبة
لذلك يجب أن يكون ادراك سر الألم حاضراً عنده دائماً ، لألا يحصل هذا الارتداد ، و هذا الرجوع ، و هذه المصيبة التى تكفى للإطاحة به إلى الوراء آلاف الأميال من السعادة و الهناء و الحكمة !

كم مرة يتعلم الإنسان من حوادث الألم و المعاناة أكثر من تعليم الكتب و النظريات؟ أليست تلك منفعة أيضاً ؟

حسناً قال أبونا القديس أن الآم معبرنا من عالم التفاهة المتناهية إلى المجد ، لأن الأشياء إن لم تدرك بكل قوتها و حقيقتها تصبح تافهة لا نفع لها ، و نحن بالألم ندرك سر كل هذه الأشياء و جوهرها جميعاً !

إذن ... المشكلة ليست هى الألم فى حد ذاته ، بل فى إدراك الإنسان لمعناه ، فإن كانت كل هذه الأتعاب ليست نابعة من ذات الإنسان بل هى خارجة عنه ، فلا مشكلة إذن ، لأن كل معاناه حقيقة تنبع من الداخل .
 فمصدر تعاسته ليست هى الآلام التى تقع خارجاً عنه ، بل فى غباؤه الذى معه لا يستطيع ادراك كيف يحول التعب إلى راحة ، و العوز إلى شبع !!

لكن هذا الإستعلان ضعيف ، و هو على مستوى متدنى من الإدراك الإنسانى ، فحتى إن "عرف" الإنسان منفعة الألم عقلياً ، فسيبقى فى حدود ضيقة تفرضها عليه تلك المعرفة ، صحيح أنه سيستفيد من الألم ، لكن المنفعة تبقى أرضية وقتية ، تقع فى دائرة التعاملات البشرية وحدها ،لأنها مؤسسة على العقل البشرى المتغير ، فالعقل مهما بلغ من إدراك سوف يظل محدوداً متأثراً بالإنفعالات التى تحدث داخل النفس ، و لا يستطيع أن يدرك الألم كاملاً كسر خفى إلا من اختبره ... مع مُخلص العالم !!!
فإعلان التفكير شىء و إعلان الإختبار شىء آخر ، إنه مستوى أعلى بكثير لا يولِّد الحكمة و معرفة الحقيقة و اكتشاف الذات فقط .. بل و المجد أيضاً !


آلام  فصحية  !

تعلمت من الأب متى شيئاً ، أن الفعل لكى يكون له قوة التغيير و التجديد لابد أن يكون فعل إلهى ، أو مؤسس فى الله ذاته و نابعاً منه ، فالإله هو الوحيد الذى ليس عنده تغيير و لا ظل دوران ، و بالتالى فهو الوحيد الذى يمتلك القدرة على إحداث هذا التغيير و التحويل ، بل و الخلق أصلاً !

صحيح أن العالم يملأه الحزن ، و المتاعب فيه ما أكثرها ،لكن ليست أى آلام هى التى لديها القدرة على نقلنا من الموت إلى الحياة و المجد ، بل آلام المسيح و حدها من بين كل الآلام هى التى تتمتع بتلك الإمكانية أى إحداث العبور ، لأنها ببساطة آلام الإله الحى ، فأى فعل يقوم به هذا الإله يكتسب تلقائياً قدرة هائلة على الخلق و التجديد و التحويل و العبور من بين كل الأفعال جميعاً ، حتى و لو كان هذا الفعل هو الآلم ذاته !

لذلك فإن الإنسان المسكين الساقط لا يدرك قوة الألم ، لأنه لا ينظر إليه فى يسوع المسيح ، هذا الإله المتجسد الذى أعطى لفعل الألم قوة للتجديد و الخلاص تشع منه النور و القيامة !  فحتى إن أدرك الإنسان منفعة آلامه الإنسانية كما قلنا فهو يظل فى مستوى الأرض و لن يعبر أبداً إلى السماء إلا إذا شارك المسيح فى هذه الآلام الإلهية ، الفصحية !

فإذا كان الألم بالنسبة للإنسان وضع حتمى صعب على النفس ، و مُرّ مرارة العلقم و الإفسنتين ، لكنه بالنسبة للرب وضع محبة ، جازه بإرادته طواعية فقط ... من أجل الإنسان !
"نَاظِرِينَ إِلَى رَئِيسِ الإِيمَانِ وَمُكَمِّلِهِ يَسُوعَ، الَّذِي مِنْ أَجْلِ السُّرُورِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَهُ، احْتَمَلَ الصَّلِيبَ مُسْتَهِينًا بِالْخِزْيِ، فَجَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ اللهِ." ( عب 12 : 2 )
نعم ... فبعد الألم هناك القيامة و الصعود ، بل أن هذان الأخيران هما نتيجة حتمية للصليب كما قرأنا عند بولس سابقاً !
و هذا ليس تأمل شخص أو أفكار فردية ، بل اختبار كنسى تعيشة الكنيسة كلها فى صلوات البصخة المقدسة ، عندما تقرأ فى الساعة الحادية عشر من يوم الخميس الكبير و الساعة السادسة من يوم الجمعة العظيمة ، الترجمة السبعينية ، تلك التى نجدها فى قطمارس كل الكنائس الأرثوذكسية القبطية ـ اليونانية ، بل و حتى تلك التى لم تعرف اليونانية مثل كنائس السريان ، حيث تقول الترجمة السبعينية " أما الرب فشاء أن يشفيه من الجراح / الكلوم ( كتاب البصخة المقدسة حسب ترتيب الكنيسة القبطية الأرثوذكسية) [3]

And the LORD willed to cleans him of the beating

و هذه الترجمة هى الترجمة اليونانية للعهد القديم و هى ترجمة يهود الأسكندرية و قد وضعوا التفسير الشائع فى الفكر اليهودى و هى مختلفة عن الترجمات الشائعة بين أيدينا و التى تُقرر أن "  الرَّبُّ سُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحَزَنِ" (إش 53 : 10 )

ففى وسط هذا الفصل النبوى الذى يمثل قمة الآلام التى اجتازها المخلص ، نجده يحدثنا عن الشفاء و إبراء الكلوم ، و كيف يحدث هذا إلا بالقيامة ؟ فمن عمق الألم و قمته تخرج القيامة و الإنتصار !

فهكذا هو إلهنا المصلوب ، يجمع المتناقضات فى شخصه الواحد، لولا آلامه لما تخلصنا من الألم، فاختبار شركة آلام المسيح هذا ليس على مستوى إدراك منفعة الآلام عقلياً ، بل هو "تحويل" تلك الآلام إلى أمجاد كما يحدثنا آباء الكنيسة

[ كما أن الموت لم يكن ممكناً أن يبطل إلا بموت المخلص
هكذا أيضاً بالنسبة لكل واحد من الآلام و انفعالات الجسد
لأنه لو لم يكن قد انزعج لما تحررت طبيعتنا من الإنزعاج
و لو لم يكن قد حزن لما انعتقت أبداً من الحزن
و لو لم يكن قد اضطرب و جزع لما انفكَّت أبداً من هذه الإنفعالات
و هكذا بالنسبة لجميع الأمور البشرية الحادثة للمسيح يمكنك أن تجد نفس المبدأ منطبقاً تماماً
أى أن الآلام و الإنفعالات الجسدية كانت تتحرك فيه ، ليس لكى تكون سائدة كما يحدث فينا
بل لكى ما تحركت تَبطُل بقدرة اللوغوس الساكن فى الجسد
و بذلك تتغير طبيعتنا إلى ما هو أفضل
فإن كان كلمة الله قد وحَّد بنفسه طبيعة الإنسان بشمولها ، لكى يُخلِّص الإنسان بكليته
فإن ما لا ياخده منا لا يمكن أن يخلصه ][4]
القديس كيرلس الكبير
تفسير إنجيل يوحنا 12 : 7


[ قد نبع انعدام الآلام من الآلام
و عدم الموت من الموت
و الحياة من القبر
و الشفاء من الجروح و القيامة من السقوط
و الصعود إلى أعلى ( السموات ) من النزول إلى أسفل ( الحجيم ) ][5]
القديس يوحنا ذهبى الفم

[ فقد بكى بشرياً لكى يسمح دموعك ...
و انزعج تدبيرياً تاركاً جسده ينفعل بما يناسبه لكى يملأنا شجاعة ...
و وُصف بالضعف فى ناسوته لكى يُنهى ضعفك ..
و قد بكثرة طلبات و تضرعات إلى الآب ، لكى يجعل أذن الآب صاغية لصلواتك ]
القديس كيرلس الكبير[6]
الدفاع عن الحروم الإثنى عشر ضد ثيودوريت


ففى المسيح ، الألم و المجد يجتمعان فى وحدة مُدهشة كالحقيقة المضيئة التى لها وجهان !
 [ و الرب يناقش النفس و يريها مواضع المسامير قائلاً :
انظرى علامات المسامير ، انظرى الجلدات ، انظرى البصاق ، انظرى الجروح
هذه كلها تألمت بها من أجلك ، لأن بمحبتى للبشر جئت لأطلبك و أحررك
لأنى منذ البدء جبلتك على صورتى ، و خلقتك لتكونى عروساً لى
و الرب يُظهر نفسه لها على هيئتين :
على هيئة جروحة و على هيئة نوره المجيد
و النفس ترى الآلام التى احتملها ، و ترى المجد الفائق الذى لنوره الإلهى
فتتغير إلى تلك الصورة عينها من مجد إلى مجد كما من الرب الروح .
و تتقدم فى كلا الهيئتين ، فى هيئة آلامه و هيئة نوره المجيد
حتى تنسى بنوع خاص طبيعتها الخاصة ، إذ تكون ممسوكة بالله
و ممتزجة و متحدة بالإنسان السماوى و بالروح القدس
بل تصير هى نفسها روحاً ][7]
القديس الأنبا مقار الكبير
المجموعة الثالثة من العظات / عظة 3 : 2


لذلك لا يمكن أن تقبل القيامة و ترفض الصليب لا يمكن أن تحيا الإنتصار إذا لم تجوز أولاً فى الألم ، البعض لا يحب صورة صلبوت ربنا و يعلقون و يقولون ان هذا هو ليس المسيح ، المسيح ممُجد و مُقام ، و لا يعرفون أن القيامة هى ثمرة الصليب ،و اذا لم نفتخر بالصليب لا يحق لنا أن نتمتع بعطايا القيامة !


الآلام استعلان إلهى!

أدهشنى كثيراً كلام الأب متى عن تحرك الله نحونا بالصليب ، لم أكن قد قرأت مثل هذا من قبل !
الصليب هو حركة إلهية ، لأن الصليب هو إعلان عن ذات الله بالعمل و الفعل و لا يدخل فى دائرة الكلام و الفلسفة البشرية المُقنعة ، و هو ليس على مستوى الإعلان النبوى ، الله يريد و النبى يفعل ، بل أصبح الله بنفسه هو الذى يفعل بالصليب ، يأتى إلي الإنسان و يشترك فى آلامه ... و هو أقصى تعبير عن محبة الله الأزلية !

الله محبة ، و إذا كانت المحبة التى هى جوهر الله قد تجلت بالصليب ، إذاً فقد استعلن الإله بالألم و تجلى عندما رُفع على الصليب شاهراً جراحاته للعيان ! 
لقد تجلى ليس بنوره الأزلى كما على جبل طابور بل بمحبته، فالصليب محبة ليست بالكلام و لا باللسان ، بل بالعمل و الحق !

هذا ما يفعله الفلاسفة ، يجلسون فى أبراج عاجية ، عالية ، يرسمون صورة الله و الإنسان و العالم ، هذه الصورة التى تكون غالباً بعيدة عن الواقع ، أو على الأقل تحاكى الواقع بطريقة مشوهة تمسخ معها معالم الحقيقة، لأنها خرجت من رحم العقل فاسد التصورات .
أما آلام المسيح فهى أقصى إعلان عن رغبة الله فى الإشتراك فى واقعنا و معاناتنا بل و تحويلها من مجد إلى مجد
المسيح كان فيلسوفاً ، و لكن ليس ككل الفلاسفة ، تعاليمه تشهد على فلسفته ، وآلامه تشهد على واقعية هذا الفلسفة !

هذا المسيح المتألم هو الذى له وحده قوة الحركة نحو الله ، فإذا اشتركنا نحن فى آلامه أخذنا معه إلى مجده ، فهو لم يجوز الألم نيابة عنا ، بل كان يحصرنا و يجمعنا فى ذاته بحسب فكر كنيستنا الأرثوذكسية ، و بهذه الشركة الحية فقط نستطيع أن نقترب إلى مجد الآب و نكتشف لمحة من الأبدية السعيدة .



لحظة الـعبور !

إلا أنّ يسوع لا ينزع من العالم الألم و الضيقات ، بل يُخرج منها الخير لأولاده ، لذلك يلزم الإنسان أن ينفتح على الوعى الإلهى ، و يرى فى لمحة الروح حقيقة خطة الله له من داخل الإلم ، حينئذ تتحول الضيقات إلى معانى إلهية !
و يتكشَّف أمامه معنى جديد للتعزية ، فهو ليس إلغاء الألم أو مجرد إزاحته أو حتى شفاؤه ، بل هو العبور من تلك الآلام عينها إلى الأمجاد ، بإدراك سر الألم و منفعته و الإشتراك فى آلام المُخلص
 الـتعـزيـة عـبور ، تحـول .. إمـتداد !!!

و هذا العبور لا يكون سهلاً بل فيه تتحطم النفس و تتمزق تمزيقاً و يصلب الجسد مع المسيح ! ، العبور لا يتحقق إلا بإلغاء الذات و صلب الأهواء و الشهوات و تسمير الجسد على الخشبة المُحيية كما يتحدث الرسول  

و لحظة العبور هذه لابد أن تكون ماثلة أمام الإنسان ، يحفظها فى أعماقه حتى تعمل فيع عملاً مستمراً ، تلغى من ذهنه ذكرى الألم لكنها تُبقى سره فقط ! و هو الإنتقال و العبور !
و بعد أن فهمنا القصد من الألم و عرفنا مصدره الإلهى الحكيم و لمسنا غايتها الخيرة الصالحة و المفيدة و هو معناه التحرر الكلى من شبكة الآلام التى لا فكاك منها ،أفلا ننسى ما هو وراء و نمتد إلى ما هو قدام ؟

لِذلِكَ أُسَرُّ بِالضَّعَفَاتِ وَالشَّتَائِمِ وَالضَّرُورَاتِ وَالاضْطِهَادَاتِ وَالضِّيقَاتِ لأَجْلِ الْمَسِيحِ. لأَنِّي حِينَمَا أَنَا ضَعِيفٌ فَحِينَئِذٍ أَنَا قَوِيٌّ  ( 2كو 12 : 10 )
قَدِ امْتَلأْتُ تَعْزِيَةً وَازْدَدْتُ فَرَحًا جِدًّا فِي جَمِيعِ ضِيقَاتِنَا." ( 2كو 7 : 4 )
حَامِلِينَ فِي الْجَسَدِ كُلَّ حِينٍ إِمَاتَةَ الرَّبِّ يَسُوعَ، لِكَيْ تُظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أَيْضًا فِي جَسَدِنَا ( 2كو 4 : 10 )
إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ ( رو 8 : 17 )


الألم سر لا يدركه إلا من جازه مع المُخلِّص !
الألم عمق لا يدخل فيه إلا من شاركه حقاً و يقيناً مع رئيس الحياة !

مارك
ذكرى الآلام الخلاصية و القيامة المقدسة
برمودة 1727 ش / إبريل 2011 م


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


1 ـ مع المسيح فى آلامه حتى الصليب / للأب متى المسكين صـ 199
2 ـ أنتظر دراسة عن الألم فى الكتاب المقدس ، سأبدأ فيها فور توفر متسع من الوقت لدىّ .
3 ـ القيامة أساس الإنجيل و مسرة الثالوث بالإنسان ـ د / جورج حبيب بباوى
 4 ـ أقول مضيئة لآباء الكنيسة صـ 210
5 ـ قول مضيئة لآباء الكنيسة صـ 240
 6 ـ أقوال مضيئة لآباء الكنيسة صـ 200
7 ـ أقوال مضيئة لآباء الكنيسة صـ 228