Monday, 16 February 2015

صرخة دم

صرخة دم ...

دم يصرخ إليه من الأرض ...
مثل كتلة عدم صرخت منذ البدء لكى توجد ...
صرخة لا تنقطع ...
...
اتجه نحو الصرخة ليحتويها ... ضمها برقة إلى حضنه ...
لن تعود ليمسكها الموت مرة أخرى ...
ستظل صرخة ...
و سيظل هو يُحيها بدفقات حبه حتى "تكون" ...
...
و الدم ؟ ...
قد حفظة نهراً يجرى فى حنايا جراحات المصلوب ...
لن يكون إلا دماً ... لن يقـــوم إلا دماً ...
 حتى إذا ما أُهرقت الحياة ذاتها .. سيظل هو هناك ... يُخضبها بتلك الدماء ... حتى تظل حياة ...

Wednesday, 28 August 2013

خريستولوجيا الوجود / مبادىء فى المسيحانية المعاصرة



خريستولوجيا الوجود
مبادىء أولى فى المسيحانية المعاصرة

                                                     



[ إن البشرية كلها كانت فى المسيح من حيث أنه صار إنساناً ]
[ المسيح هو الأصل ριζα الثانى للجنس البشرى و البداية الجديدة للبشرية التى ترجع بواسطة التقديس إلى كمالها الأول ]
كيرلس الأسكندرى[1]

[ المسيحية فى ملئها و شكلها الصريح ، ليست مجرد نظرية مجردة أو واقعة موضوعية ، المسيحية تفهم ذاتها فى جوهرها الأكثر تميزاً بإعتبارها حدثاً وجودياً حقيقياً ، ذلك الذى نطلق عليه العلاقة مع يسوع  المسيح ]
كارل راهنر

عندما تحرك الإله ليعانق الإنسانية فى رحم العذراء ، تفجر ينبوعاً أبدياً لوجود جديد دُعى يسوع المسيح . صار  القدير فى قلب تجربتنا البشرية بكل ما تحمله من كثافة و درماتيكية ،و أصبحت البشرية تتجدد و تستعلن فى سره و كأنها تنظر فى مرآة حقيقتها ، لم يكن لنا مجرد شخص نراه سائراً فى شوارع الجليل ، بل كشف لنا عن جوهره كمبدأ فاعل فى الكون كله ، يُظهر إرتباطه ببنية الوجود فى ذاته لا كأمرٍ خارجٍ عنه أو طارئٍ عليه ، كان تفجراً للحب فى عدمنا و تراجيديتنا ، حالة من التعالى الأبدى للذات نحو الحقيقة ، تخارُج  لا منقطع تجاه الآخر ، بقدر ما تسامى بوجوده نحو الله ، بقدر ما جمع أشتات إنسانيتنا الممزقة نحو أبديتها الخاصة ، لم يجعل الله فى السماء أو فى الهيكل أو فى مخادع الفريسيين الريائية ، بل خلقه داخلنا ، يسوع خلق لنا الله فى المسافة بيننا و بين حقيقتنا !




I

مَنْ يَقُولُ النَّاسُ إِنِّي أَنَا ؟
( مت 16 : 15 )

السؤال الخريستولوجى متعلق بكشف هوية المسيح ، بالطبع لم تُقدم الكنيسة نسقاً لاهوتياً واحداً فيما يتعلق بالإجابة على هذا السؤال ، إنما اعتمدت  المسيح مركزاً سوتيريولوجياً متفرداً قادراً على إنقاذ الإنسان من تغربه و سقوطه ، فهو المسيّا ، الكاهن و الذبيح، مؤسس إسرائيل الجديدة ، هو اللوغوس الفاعل فى الفكر ، و القائم المنتصر الذى وضع أعداءه تحت قدميه ، ابن الآب الجالس ليحكم ممالك الكون ، هو المعلم الأخلاقى و الضحية المأساوية ..!
أما فى العصور الحديثة ، بدايةً من القرن الثامن عشر ، لدى صعود الحركة الإنسانية Humanism  ، بدأ نسقاً خريستولوجياً جديداً فى الظهور ، قام على تطوير مجموعة من الأفكار الكلاسيكية بواسطة عدد من الفلاسفة و اللاهوتيين أمثال هيجل و شليرماخر و كيركيغارد و راهنر و بارث و تيليش و بولتمان ، وفقاً لهذا النسق لم يصبح يسوع هو إله السماء فقط ، بل و الأرض أيضاً ، أصبح سيداً للـ microcosmos  بدلاً من الأفلاك و الأقسام الطبائعية المُصنفة تراتبياً ، الآن هو مسيح الإنسان العابر ، الإنسان الثائر ، الُمشيّأ الصائر،المائت و المعدوم ،

فى هذه الدراسة ، سأسعى نحو تقديم مبادىء عامة مختصرة للنسخة الخريستولوجىة الأنطو- وجودية * existential – Ontological Christology  للمسيحية ، و هى تقوم على الإنطلاق من الأنثروبولوجيا كأركيولوجيا معرفية ، لذلك درج على تسميتها بـ "خريستولوجيا التجسد" ، أى رؤية معاصرة للمسيح تنطلق من حقيقة إنسانيته و هى فى ذلك تتخذ الجدل اللاهوتى الصاعد منهجاً ، حيث أنها تخضع بنائياً لتطور بعض النظريات الدينامية عن الإنسان ، حتى أن "راهنر"Rahner  يصفها بأنها أنثروبولوجيا متعالية   anthropology  transcendental، و يصف الأنثروبولوجيا بأنها خريستولوجيا قاصرة deficient christology .

  إن الإتحاد بين الجوهر الأصيل لله و الإنسان، و حدث تجسد اللوغوس فى وقائع التاريخ العينى جعل [ الخريستولوجيا هى ألفا و أوميجا الأنثروبولوجيا ، و الأنثروبولوجيا ، فى إدراكها الأكثر راديكالية  ، هى فى كُليتها ، لاهوتاً أبدياً ][2] ، أى أن اللاهوت و الأنثروبولوجيا يجدا أساسهما المطلق  و معناهما فى الإتحاد الأقنومى مع الله فى الإنسان يسوع المسيح ، و فى ذلك تتجلى الوحدة المركبة synthetic بين اللاهوت و الأنثروبولوجيا و الخريستولوجيا

لكن هناك بعض التخوفات من أن يكون هذا المنهج مُقارباً للهرطقة الإبيونية [3]Ebionite heresy ، لذلك يجب الإنطلاق من أصل ثانى و هو التقليد ، هذا سوف يحدث التوازن المطلوب بين النظرة الإيمانية و الفلسفية، أننا يجب أن نسعى لفهم و شرح التقليد بالتعبيرات المعاصرة عن الوجود الإنسانى ، إنه إعادة توفيق الخريستولوجيا الكلاسيكية مع المستجدات التطورية و النظرة الدينامية للإنسان .
يرتبط هذا بالطبيعة الجدلية التأويلية dialectic hermeneutical process   للمسيحانية ، أى الجمع ما بين القضاياthesis  الخريستولوجية الكلاسيكية و الفلسفة الوجودية المعاصرة فى مُركب نسقى جديد ، هو الخريستولوجيا الوجودية ، عن طريق  إعادة تأويل عقيدتنا المسيحانية تأويلاً وجودياً معاصراً ، أى تجديد الخريستولوجيا بمصطلحات الأهمية الأنطولوجية للأحداث التاريخية فى حياة المسيح و وجوده، بدون تحديدها فى الأهمية الأخلاقية وحدها . لأن المفهومية الميتافيزيقية – التى سادت العصر المسيحى المبكر و الوسيط - غير مناسبة للتعبير عن الحقائق الإيمانية - التى يجب أن تكون حاصلة فى مركز الحديث عن يسوع المسيح -  للإنسان المعاصر ، فى أجلى صورها .

  ينبغى أن يحدث هذا عبر مجموعة من الطرق ، و هىى قراءة حياة يسوع المسيح وظيفياً functional لا ميتافيزيقياً ، و إدراك أن تلك اللغة كانت معدة لتتناسب مع السياق الثقافى و الإيمانى المسيحى آنذاك .و قراءة خلاص يسوع المسيح لى أنا بدلاً من الاهتمام بميكانيزمات الخلاص الشامل ، و الإلتزام بـ "الوجود المسيحى" كونه الحقيقة الأساسية فى التعليم الموضوعى الذى تقدمه الكنيسة بدلاً من الإهتمام ببناء الأنساق الفكرية المجردة . ذلك سيعمل على تقليل الفجوة بين الخريستولوجيا العقائدية credal Christology و البيئة الفكرية ، و فى ذلك يتضح الطابع الإبتكارى السياقى الذى يجب أن يشكل نظرتنا للخريستولوجيا الآبائية . لنصل إلى نوعٍ من الخريستولوجيا التنقيحية revisionary تناسب الفكر المعاصر .

 لكن لا يجب الظن بأن تأويل الخريستولوجيا وفقاً لأنساق فلسفية مختلفة سوف يقود إلى تباين فى الإيمان ، بل فقط فى صيغ التعبير  ، فيجب النظر إلى كل مقاربة خريستولوجية بفرادتها و ميزة مساهمتها فى الفكر اللاهوتى الكنسى .

هذا ما قاله اللاهوتى الأرثوذكسى جون بيهر : [ إن هوية المسيح لا تُشرح من تفاصيل سيرته الذاتية المجردة ، بل بواسطة تأويل تلك التفاصيل و من خلال فهم أهمية شخص و عمل يسوع المسيح ][4]
 نظرتنا إلى المسيحانية يجب أن تنصب على كونها فكرة دينامية ، و أن ملىْ عمقها و كمالها لم يُسبر غوره بعد، و لازال يتعين علينا المزيد من إكتشافه .
. . .



II
مســـحنـة الوجود
Existence Christhood



[ كل إنسان يحمل الشكل الكامل للوضع البشرى]
 مونتين


تجسد اللوغوس يعنى أن الله أعلن ذاته كونه النقطة العليا التى لا يجب تجاوزها فى التاريخ البشرى كله ، و بحسب  شليرماخر ، فإن الخريستولوجيا هى رؤية لمرحلة كمال البشرية التى لا تزال فى نموذجها اللاكامل ، و من هذا المحك يجب أن  تنطلق النظرة الخريستولوجية من الإنسانية فى عموميتها و ليس فقط فى فرديتها ، و إنسانية المسيح يجب النظر إليها كونها مرآة حقيقية تُكشّف فيها صورة الإنسانية بشكل عام .

قد نُظِّرَ لهذا بكثافة فى اللاهوت الآبائى ، فالمسيح هو أخونا البكر Πρωτοτοκοσ بحسب النص البولسى، و مساوياً لنا فى الجوهر  ομοουσιοςو الطبيعة  ομοφυης ، واحد مننا εις εξ ημων ، إن المسيح هو الإنسان الأولى Πρωτος Ανθπωπος    و قد صار الأصل و الباكورة الثانية δευτερας απαρχης  لجنسنا ، و الطبيعة الإنسانية توجد فى أقنوم الكلمة υποσταιαζεται μεσω του Λογου
بحسب كيرلس فإننا [ نحن جميعاً كنا فى المسيح ، و الشخصية البشرية فى عموميتها قامت فيه من جديد ][5] [ قد صار ما هو خاص بالمسيح ملكاً مشتركاً لعموم الطبيعة البشرية ][6] ، ، بل أن المسيح يوجد الآن فى البشرية كلها بحسب هيلارى من بواتييه !  و هو يقف مكاننا كبديل عنا و ممثل و نائب بمصطلحات اللاهوت الوسيط .

تلك التعبيرات كانت غير شخصية إلى حد بعيد ، لكن فى العصور الأخيرة أصبح لدينا تصور عن ترابط الإنسان مع المجموع على نحوٍ كافٍ عن طريق تطوير مجموعة من النظريات تعبر عن الشراكة corporateness البشرية .
إن الشخص ليس وجوداً منفرداً ذا حدودٍ واضحة ، بل محاط بالآخرين ، و مُنوجد وسطهم ، الآخرون يدخلون فيه و هو فيهم ،لذلك فإن فلسفة مارتن بوبر مهمة جداً فيما يتعلق بتطوير تلك الفكرة الإنسانية ، و من ثمّ الخريستولوجية ، فلا يوجد "أنا" بدون "أنت "there is no I without a Thou و تلك الفلسفة عن العلاقات الشخصية البينية كان لها أهمية قصوى فى تطوير الوعى الوجودى ،  الأمر نفسه يظهر فى الميتافيزيقا الهيجلية و فكرة "النفس الشاملة" فى حديث يونج عن اللاوعى الجمعىcollective unconscious   ، كل تلك النظريات تعبر عن حقيقة عميقة فى الوجود البشرى .

هذا ما قرره جون زيزيولاس،  كممثل للفكر الوجودى فى اللاهوت الأرثوذكسى [ إن جسد المسيح ليس هو جسد المسيح الفرد فى المقام الأول و من ثمَّ مجتمع من الكثرة ، بل فى وقت واحد كلاهما معاً ]  [7] ، وهذا ما ظهر فى لاهوت الأب تيار دى شاردان اليسوعى ، أن الكون يتجه لعملية مسحنة Christification ، و أن الوجود كله يجسد و يعبر عن روح المسيح .



. . .
فى تلك الدراسة ،سأؤصّل لثلاث معضلات أنثربولوجية إشكالية  فى الفكر المعاصر ، فى البدء سأعرض الرأى الفلسفى ،ثم أوضح وجهة النظر المسيجية، أكشف كيف يمكن أن تتكشف فى ضوء المسيح ،و كيف يمكن للخريستولوجيا الكلاسيكية أن تفيدنا – فى ذاتها أو عند تأويلها – فى بناء نظرة مسيحية من أجل تجلى الإنسان .
. . .



III
المُعضلة الأولى
لماذا يوجد شىء بدلاً من اللاشىء ؟

بحسب سارتر و ليبنتز ، هذا هو السؤال الأساسى فى الفلسفة ، بل يعد المسألة الأكثر جوهرية فى كل الأنساق الميتافيزيقية قاطبةً ، و على حين اتخذت الإجابات الفلسفية له فى العصر اليونانى نمطاً كلياً مجرداً ، يُعبر بمصطلحات الجوهر و الطبيعة عن معنى الإنبثاق من العدم ουκ οντος  أى اللاوجود الذى هو سلب للوجود و ليس له علاقة به ، أى الفناء ، سارت الإجابة الوجودية الحديثة فى طريقٍ مختلف .
تنصب النظرة الوجودية للإنسان على أنه كائن لايزال فى طور الإنبثاق emerging, ، فالفعل يوجد ex-ist  مشتق من الفعل اللاتينى ex-sistere  و يعنى يبرز stand out  أو ينبثق ، أن يوجد الإنسان هو أن "ينبثق" من العدم ، لذلك لا يجب أن نفهم ذلك الوجود على نحو سلبى passive بمعنى "ملقى به حولنا فى مكان ما " بل أنه يبرز و يخرج على نحو دينامى من العدم . فالإنسان ليس له ماهية essence  ثابتة ، و هو عينى جزئى لا كًلى ماهوى ، و الوجود الإنسانى فقط هو الذى ينطبق عليه تلك الحالة من التخارج ، و "الوجودية" فى عموميتها تعنى بذاتى فى كفاحى لكى أكون أنا ذاتى وسط العالم و الأشياء و الآخرين .
لذلك فإن الشكل الإنسانى النهائى و الأخير لم يظهر بعد إلى حيز الوجود ، بل أن الدراسات البيولوجية و لا سيما نظرية التطور تدعم هذا المنظور اللاإكتمالى للوجود و تقدم أساس تجريبى empirical لهذا المفهوم، أن الإنسان هو كائن لا يزال على طريقه نحو الظهور بدلاً من كونه منتجاً نهائياً ، إنه موجود ex-sistent ، أى أنه الكائن الذى لم يمتلك بعد الماهية الكاملة بل يتحرك باستمرار للخروج من العدم نحو الوجود الحقيقى بواسطة إدراك ذاته ،
أما هذا العدم μη οντος فهو اللاوجود كإمــــــــكان يدخل فى علاقة جدلية مع الوجود بإعتباره القطب الأصلى المناقض له ، بحسب الفيلسوف الروسى الأرثوذكسى نيكولاس برديائف فإن الإنسان هو عاطفة من "حرية الإمكان" ، فكل وجود موضوعى محدد هو غير حقيقى ، و اللاوجود بمعنى الإمكان هو الواقع الحق ، بفضله يصبح الإنسان شخصاً ، أما الوجود الفعلى المتحجر الكامل الذى يتشارك فيه الإنسان مع العالم الموضوعى فهو يحيل الإنسان إلى مجرد فرد أو شىء .

بحسب سارتر ، لايمكن أن يوجد عدم خارج الوجود ، و العدم بإعتباره لاوجوداً لا يمكن أن يعدم نفسه ، إنما يظهر فى صورة وقائع سلبية نطلق عليها سلبيات negatites و عن طريق الوجود تسلل العدم إلى الأشياء ، أى أن العدم يوجد فى نفس الوقت مع الوجود أى يساوقه coexisterait  فالإنسان هو الذى فتح باب العدم فى العالم ،: " إنه الكائن الذى بواسطته يجىء العدم إلى العالم"، إى أن الإنسان يفلت بنفسه خارج الوجود و ينعزل بإفرازه العدم ، و عملية الإعدام متعلقة بعلاقة الذات بنفسها .
و كإمتداد لنفس المعنى نجد العدم يتخذ شكلاً أكثر ذاتوية عند فيلسوف وجودى جديد، هو كولن ويلسن الذى يقول فى "اللامنتمى" : [ لا يعرف اللامنتمى مّن هو ، لقد وجد "أنا" لكنها ليست "أنا" حقيقية ، أما هدفه الرئيسى فهو أن يجد طريقاً للعودة إلى نفسه ] 
.  .  .
                                                           

الإنبثاق من قلب العدم


إن تتبعنا الحل المسيحى لإشكالية العدم ، فسنجد اللاهوت الآثناسى سنداً قوياً فى تجلى العلاقة الأنطولوجية و المنطقية بين وجود الإنسان و كينونة المسيح .
 فالله خصب فى صميم ذاته ، و هو العلة  αιτιος لكل الموجودات ، و هو مصدر απχη   كل الوجود لأنه أب لابنه الوحيد منذ الأزل ، و هو ينبوع πηγη   فى صميم طبيعته الداخلية كآب ، فنحن عندما نسمى الله أب فنحن لا نسمى إحدى صفات الله و إنما ندلل على صميم كيانه .
 فإن لم يكن الابن مولود من الآب أزلياً ،فلا يكون الآب - من الأساس - ولوداً γεννητικος  أو مثمراً καρπογονος  فى جوهره الذاتى [لن تكون طبيعته مثمرة ، و بذلك لن يكون لجوهره الذاتى أى كلمة و لا حكمة و لا صورة إطلاقاً ] ،، و بالتالى لا يمكن إعتباره مصدراً للوجود أو لأى كيان على الإطلاق ، و عندئذ تنتفى الخليقة !  . فلأن الله ولود فى صميم كيانه ، و هو يحب الابن منذ الأزل ، فهو قد خلق العالم بحريته و صلاحه و خيريته المطلقة ، فلو كان الله بلا مولود αγονος  لكان بلا أعمال ανενεργητος  لأن الابن هو مولوده الذى يعمل من خلاله .
 [ فالمخلوقات إنما خُلقت قطعاً بواسطة الكلمة و الحكمة، و لولا الكلمة لما كان ممكناً أن يوجد أى شىء ، و الآب كما يقولون عنده الكلمة الذى فيه و بواسطته يخلق كل شىء و إلا لكان الجوهر ليس خصباً بل عقيماً و مجدباً ερημοσحسب رأيهم ، كالنور الذى لا يضىْ  ως φως μη φωτιζον و كالنبع الجاف πηγη ξηρα، فكيف لا يخجلون عندما يقولون أن الله لديه طاقة خلاقة ؟
 ... كانت الأشياء التى هى معه خارج جوهر الله و لم تكن موجودة من قبل ـ و قد خلقها عندما شاء أن يجلبها إلى الوجود ، و أصبح هو خالقها و صانعها ، و لكن هو ـ قبل ذلك بكثير ـ أباً لمولود من جوهره الذاتى ، لأنهم إن كانوا ينسبون لله أنه بالمشيئة يوجد الأشياء غير الموجودة ، فلما لا يقرون بأنه فى الله شىء أعلى من المشيئة ، ألا و هو الطبيعة الخصبة ، و كما سبق أن قلنا يكون عمل الله كخالق هو تالٍ لكونه أب ، لأن الابن هو خاصته و هو حقاً من تلك الغبطة ، و الجوهر الكائن دائماً ، أما الاشياء المنظمة فقد صارت إلى الوجود من مشيئته الذاتية ، من خارجه و قد خلقت بواسطة ابنه الذى هو من ذات جوهره ]
( المقال الثانى ضد الأريوسيين  14 :2 )
. . .
المدهش حقاً ، و الذى يجعلنا نصنع مقاربتنا تلك بين اللاهوت الآثناسى و الفكر الوجودى المعاصر ، أن مفهوم الوجود و العدم عند ق. أثناسيوس يتضمن فكرة الحركة الدينامية فى ذاته ، و هذا يشار إليه بدقة و وضوح فى تعبير أثناسيوس عن الإنسان الصائر  γενητος ، أى أنه عملية صيرورة دينامية من العدم تجاه الله بفعل حبه و صلاحه المعلن فى محبته للابن الأزلى ، و هو يتحدث عن العدم بصيغ الإمكان  εκ του μη οντος ، إى أنه حالة وجودية ينتقل إليها ευκινηςια  الإنسان بالسقوط و يبقى فيها μενειν    [فإن كانوا وهم فى الحالة الطبيعية ، حالة عدم الوجود ، قد دُعوا إلى الوجود بقوة الكلمة و تحننه ، كان طبيعياً أن يرجعوا إلى ما هو غير موجود ( أى العدم ) عندما فقدوا كل معرفة بالله  ][8] فالعدم هنا ليس الفناء الكيانى بل حالة وجودية تتحرك نحوها الطبيعة البشرية بعيداً عن الله . و هو ما يقترب كثيراً من المفهوم الحديث .

 I ) الخلق هو حالة دينامية  in acto و ليست ساكنة  in stato كما يمكن أن نتصور ، فالوجود وحده ثابت ساكن و عقيم و هو يصبح متحركاً و دينامياً حينما نربطه باللاوجود بمعنى الإمكان ، هذا بحسب الموقف الجدلى لبول تيليش .

لذلك يجب أن تنطلق نظرتنا اللاهوتية للوغوس ليس فقط كونه "سابق الوجود" pre-existence  بل إلى كونه أيضاً "ما هو أبعد من الوجود" beyond-existence ، لأن كل عملية خروج  من العدم نحو الوجود ، يرعاها اللوغوس بإعتباره أصلها ،كونه السبب الأنطولوجى لديالكتيك التخارج من العدم .
الله لم ينتهى من الخلق بعد  لأن العدم لم يصر عدماً بعد ! الله يخلق الإنسان فى كل لحظة من لحظات الزمان ، يُخرجه من وجودٍ عدمى إلى وجودٍ حقيقى  و من وجودٍ حقيقى إلى وجودٍ أكثر حقيقية . فالإنسان هو ما يصيره لا ما يكونه ، و هنا يتجلى الوجود كإمكانية و ليس ككينونة .

II  ) الوجود الإنسانى هو "إمكان الحب" ، الحب ليس أخلاقاً بل هو - فى الأساس- الوجود المنبثق من عدميته ، هذا له دلالة عظيمة ليس فقط من الناحية الأكسيولوجية القيمية ، بل أيضاً من ناحية خريستولوجية ، فكل ما ورد فى العهد الجديد عن "الحب" سواء فى تعاليم أو موت يسوع ، يعبر عن التجسد كونه "خَلقاً" و ، و استعلان "الوجود الجديد" و "الخليقة الجديدة" فى يسوع لا يُمكن أن يفهم إلا على أنه حباً متجسداً لكل مَن هو آخر ، و الإنسان الذى يخرج من العدم بحثاً عن ذاته لن يجدها إلا فى الابن ، الخالق ، و المحبوب منذ الأزل .
الحب فى الفلسفة المسيحية هو وجود، أى حركة إلهية تكشف لنا الإنسان فى حقيقته .
III  ) لا يمكن أن نصف "وقائعية الإنسان " بالإرتماء  Geworfenheit  على حد تعبير هيدجر ، أى أنه قُذف به فى الوجود بما يجاوز إرادته، و ملقى به فى عالم ليس من صنعه ، إنما يجد الوجود المتموضع تليولوجيته و غايته فى الحب الإزلى بين الآب و الابن ، أن تكون موجوداً بحق هو أن تحب كالله ، هذا ما أعلنه يسوع ليس فى تعاليمه فقط ، بل فى وجوده المفارق عن عالمنا منذ الأزل فى حضن الآب .
لماذا أنا موجود هنا ؟ لكى أصبح مسيحاً ! ،  و كيف يكون ذلك ؟ بأن تُحَب من الله و تُحِب كالله ، على أن يكون حباً حقيقياً ، هذه ليست أخلاقاً ، بل وجوداً حياً جديداً يكشف لنا ذاته فى يسوع المسيح !
و بالتالى يعد البعد الأكثر جوهرية فى الخريستولوجيا أن المسيح هو وجود Ek-sistence الوجود البشرى !


 . . .
وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا
(يو 1 : 14 )


الإنسان يجد نفسه فى خضم خبراته الفينومينولوجية الظاهرة و مواقفه اليومية المعاشة ، أى فى الصيرورة، التى تعنى الحركة و التطور عبر التاريخ و الإنتقال بين حالات وجودية و مواقف عينية مختلفة للذات المتجسدة ، فهو " سائر على الطريق"  ، مُرتحِل ،  "إنساناً عابراً " Homo Viator  على حد تعبير جبريل مارسيل .

بالتجسد استُعلن الله فى قلب الصيرورة البشرية ، و هذا البعد التاريخى الصيرورى له صدى فى مجمع القسطنطينية الثالث ( 680 – 681 ) و كتابات بطله ق.ماكسيموس المعترف :
[ كما نعترف بطبيعتين متحدتين بلا إختلاط و لا إنقسام ، كذلك بناءً على الطبيعتين نقر بإرادتين، و كذلك بعملين طبيعيين إلهى و إنسانى و ذلك يثبت تثبيتاً كاملاً و بدون إهمال أن يسوع المسيح ربنا و إلهنا الوحيد نفسه هو حقا بطبيعته إلهاً كاملاً و إنساناً كاملاً ـ ما عدا الخطية ـ و هكذا كان يريد و يعمل خلاصنا كإله و إنسان فى الوقت نفسه ]
أدخل هذا المجمع البعد التاريخى لحياة يسوع الأرضية ذلك الذى سيطوره اللاهوت الغربى فيما بعد ، و هنا انعطفت لغة المجامع من اللغة الأنطولوجية إلى اللغة التى تقدم الصيرورة و التاريخ ( الإرادة و العمل)  ، فهوية يسوع لم تظهر فى الأنطولوجيا وحدها ، "إله حقيقى و إنسان حقيقى"، بل ظهرت فى تاريخ حياته و تعاليمه و موته و قيامته ، "فالكلمة صار بشراً" ، "الكلمة" و "بشر" هما تعبيران ميتافيزيقيان يدلان على الطبيعة ، أما الفعل صار εγενετο   فيدل على التاريخ و الصيرورة .


تلك الصيرورة أصبحت معبراً نحو تجلى آخر لطبيعة الله ، يقول توماس تورانس :
[ الحقيقة ،أنه فى التجسد، الله قد صار إنساناً بدون أن يتوقف عن أن يكون الله ، ذلك يخبرنا أن طبيعته توصف بالسكون و الحركة ، و أن كينونته الأبدية هى أيضاً صيرورة إلهية ، هذا لا يعنى أبداً أن الله قد صار غير ما هو كائن منذ الأزل ، أو أنه عانى من صيرورته فى كينونة أخرى ، بل بالأحرى يستمر دون توقف أن يكون ما هو كائنه ، و أنه سيكون أبداً فى الحركة الحية لكينونته الأبدية ، صيرورته ليست على طريقة الصيرورة نحو الكينونة أو نحو الملىْ ، و لكنها الملىْ الأبدى و فيض كيانه المطلق ذاته ، و هى تعبر عن الطبيعة الدينامية لكيانه ، الصيرورة هى الجانب الآخر من كينونته، و كينونته هى الجانب الآخر من صيرورته ، صيرورته هى كينونته فى الحركة ، و كينونته فى الحركة هى صيرورته ][9]

هذا المقبوس يعبر عن إنعطاف الفكر اللاهوتى الحديث عن سياق اللاهوت الكلاسيكى ، فبحسب المقالات الشهيرة التى صدّر بها كيرلس الأسكندرى كتابه "الكنوز فى الثالوث" ، فإن الله "غير صائر" αγενετος   ، أما تورانس فيعبر عن إدراك الفكر اللاهوتى لمنطقة طالما كانت مجهولة فى طبيعة الله نفسه، أن الكينونة الإلهية فى المسيح لم تعد ماهية ثابتة بل ماهية صائرة  being - in – becoming ، فالله أصبح صائراً ، لا بمعنى التغير ، و إنما كتعبير عن الحركة الأبدية لطبيعته الحرة ليكون ما هو كائنه ، مشاركاً وجودنا البشرى فى طبيعته الصائرة ، ليس فقط فى تجسده ، بل أيضاً فى كيانه ، معبراً عن الحقيقة القصوى للصيرورة كنمط أنطولوجى كُلى للوجود.
صيرورة الله فى التاريخ البشرى ليست فقط حجة فكرية على كيانين ستاتيين هما الألوهة و الإنسانية ، بل هى معبرنا لفهم تلك الدراماتيكية الإلهية عينها ،و فى نطاق تلك الدينامية ، فإن الحدث الإلهى لتجسد الكلمة هو  فى الواقع حرية الله غير المتغيرة ، حرية أن يكون ما هو كائن ، و حرية أن يكون أى شىء لم يكنه من قبل  !


IV
المُعضلة الثانية
ما هو الأليثـــيــا ؟

هكذا تسائل بيلاطس قديماً ...

 على يد هيدجر و فى نصه الشهير " ماهية الحقيقة" حدث إنعطاف خطير فى إدراك الفكر الفلسفى لمعنى الحقيقة ، و أصبحت"ماهية الحقيقة هى الحرية" ، و تعنى فى المقام الأول "بتحول كون الإنسان ذاته" ، بل إن مفهوم الحقيقة كصواب كما نجده طول تاريخ الفلسفة هو مفهوم فرعى أو مشتق يتأسس فى الماهية الأصلية للحقيقة ، و هى حرية الكائن المُتجلى ،هى ترك الكائن ليكون ما  هو das seinlassen des seienden  ، أى الإقبال على المجال المنفتح اللامختفى الذى يمكن أن يتجلى فيه كل كائن ، هى إنكشاف الكائن  و التعرض له، و تعنى الإقامة فى حقيقة الكائن و صيانة هذه الحقيقة ، مع هذا الكشف يحدث الإنفتاح الذى يجد فيه الإنسان ذاته ، فهو يتحدد قبل كل شىء بمقدار إرتباطه بهذا المجال اللامختفى الذى هو الأساس الحامل للإنسان و كل تصرفاته ، هناك فى هذا المجال سيتجلى الإنسان النهائى .
. . .
هنا يتم بروز الأثر الماهوى للوجود ، تلك هى "الأنطولوجيا الأساسية" التى فشل هيدجر فى التوصل لها ! ، فما هو هذا المجال اللامختفى الذى تحدث عنه هيدجر ؟ "هو الإختفاء ذاته" !!  إنه يتأسس فى الخفاء المنتمى للاخفاء ، و الذى لا يتحكم فيه الإنسان و لا يخضغ لنفوذه ، فبهذا المعنى يكون الإنسان فى التيه ، نظراً لأن التيه ينتمى لماهية الحقيقة فلا يمكن أن يتجنبه أحد !!!
  هذا أقصى ما يمكن الوصول إليه ، كما قال هابرماس فى "الخطاب الفلسفى المعاصر" : [ مهما بلغ اختراق فكر هيديجر للميتافيزيقا ، فهو حتماً لا يصل إلا إلى الفراغ ]
 نحن أمام إعادة بعث لأكثر المسائل الفلسفية تعقيداً منذ عصر هيراقليطس و هو السؤال عن "الكينونة" ، و أمام أكبر فشل فى الإجابة على هذا السؤال ! هذا الفشل الذى أدى إلى تقويض أسس النزعة الإنسانية و تفكيك ميتافيزيقا الذات ، فهو لا يهتم بالمستوى الذى يوجد فيه البشر ، بل المستوى الذى لايوجد فيه إلا الوجود ذاته  [ ليست المسألة التى تشغلنى هى وجود الإنسان ، بل هى بالاحرى مسألة الوجود ذاته ] كما قال هيدجر  فى "رسالة فى النزعة الإنسانية" ، و بذلك يكون الهدف الرئيسى للفلسفة هو الإرتماء فى أحضان ضرب غريب من التصوف! ، فهذه دعوة للصمت و إلى الإنصات "لنداء حقيقة الوجود" الخالى من أى مضامين إنسانية ، بل أنه وصل إلى حقيقة الوجود إنها عدم و موت و خواء ! لقد ظل السؤال بلا إجابة ، و أصبح "الإنكشاف" غير منكشف بعد !
إذاً ، فكيف قدمت المسيحية الإجابة على ذلك التساؤل ؟
. . .


أَنَا هُوَ َالْحَقُّ
( يو 14 : 6 )


  تلك هى الحقيقة ، ليست مثالاً أو فكراً أو إختفاءاً ، بل ذاتاً إلهية متجسدة ، إن الإنسان يستطيع أن يجد أخيراً "مجاله المنفتح الذى يتجلى فيه" أى المسيح ، و الـ Αληθεια هى اللاتحجُّب ، أو اللاإختفاء ، ( تتكون من البادئة α  و هى نفى و الفعل ληθω     أى أهرب أو أختفى ) ، فالمسيح لم يكن تجلياً لله فى الوجود الإنسانى فقط ، بل كان أيضاً تجلى الإنسان فى العالم، و هو قوته و إمكانيته لإدراك حقيقته
[ التجسد هو المثال الأعلى و الفريد ، لشخص قد حقق بشكل كامل ماهية الحقيقة الإنساني ، لأنه وفقاً لحقيقة هذا الإنسان قد أخضع نفسه كثيراً للسر المطلق الذى نسميه "الله" ]
 راهنر
...

I  ) يسوع المسيح هو إنسانية الله الماهوية Essential God- Manhood :
  فإن كان الإنسان وجود يبحث عن ماهية ، فسيجدها فى المسيح ، و لا يمكن قيام أنطولوجيا نهائية و مطلقة[10] للإنسان إلا فى الخريستولوجيا ، و بهذا فالمسيحية لا تعترف بأى تحليل للوجود الإنسانى الساقط يُطلق على ذاته لقب "أنطولوجى" و يتحدث باسم البشرية بإعتباره حقيقة مثلما فعل هيديجر ، المسيح فقط هو الذى يظهر البنية المطلقة للحقيقة الواقعة ultimate structures of  reality

[ التجسد قد جلب الإمكانية الأنطولوجية لبقاء المخلوقات و التى تتحقق بالكامل فى القيامة ، التجسد الحقيقة الإلهية للشخصية فى العالم ] [11]
جون زيزيولاس
  يقول تيليش  :

[ ما نراه من حقيقة مذهلة ، من حقيقة تفارقية ، أنه فى وسط الوجود الإنسانى نجد صورة الإنسانية الجوهرية ، تلك الحقيقة ليست مثالية ideal ليست شيئاً يرتجى و يُنبأ به  ( كما فى العهد القديم و فى كل التاريخ الدينى ) بل يُنظر إليه  بصفته حقيقة تشع من خلال صورة المسيح ]

إن ظهور الوجود الجديد يعد مفارقة الرسالة المسيحية ، فمن الناحية التاريخية و من الناحية النسقية ، نجد أن كل شىء فى المسيحية هو تجسيد للتأكيد البسيط الذى يقول أن يسوع هو المسيح ، هذا التأكيد ليس تأكيداً لاعقلانياً و لا هو بالتأكيد العبثى ، كما أنه ليس تأكيداً عقلياً تأملياً و لا هو بالتأكيد العقلى الجدلى ، و لكنه تأكيد مفارق ] [12]
 [ إن الوجود الجديد هو الوجود الماهوى فى ظل أوضاع الوجود ، إنه يقهر الهوة بين الماهية و الوجود ، و هو يقهر اغتراب الوجود الفعلى ، المسيح هو الوحيد الذى قهر الصراع بين الوحدة الماهوية للإنسان و الله و بين الإغتراب الوجودى للإنسان

[ و لكن أولئك الذين هم من بيننا الذين يجرأون على مواجهة مشكلة الحقيقة قد ينصتون إلى ما يقوله الإنجيل الرابع عنها ، إن أول ما يلفت نظرنا هو أن الحقيقة التى يتحدث عنها يسوع ليست معتقدية بل واقعة ، و هى أنه هو نفسه الحقيقة !، إن الأحكام هى إما صادقة أو كاذبة ، و الناس قد يملكون الحقيقة أو لا يملكونها ، و لكن كيف لهم أن يكونوا هم الحقيقة ؟ إن الحقيقة التى يتحدث عنها الإنجيل الرابع هى واقع جديد، هذا الواقع الذى لا يخدعنا إذا قبلناه و تعايشنا معه ، فإذا كان يسوع يقول "أنا هو الحقيقة" فإنه يدل على أنه هو الحقيقة الأصلية ، الحقيقة القصوى حاضرة ، أو بقول آخر إن الله حاضر غير محتجب ، غير مشوه فى عمقه اللامتناهى فى سره التفارقى ، إن يسوع ليس الحقيقة لأن تعليمه حقيقته ، بل إن تعاليمه حقيقية لأنها تعبر عن نفسه ]



II  )  [ "الأنت" لن يساعدك فى الحياة ، أنه يساعدك فقط أن تلمح الأبدية ][13] ، هكذا كان يعبر مارتن بوبر عن الثقل الوجودى للعلاقة بين الذوات ، فإذا كان الإنسان من خلال "الأنت" يصبح ذاتاً مشخصة ، و  إذا كانت العلاقة بين الأنا و الأنت هى التى تصل بنا إلى عالم الحقيقة ، فإن الذات تجد حقيقتها فى المسيح لأن فيه وحده تنفتح على الله ، الذى هو "الأنت الأبدى" الذى تلتقى معه الذات فى حياتها الديالوجية الحاضرة . و بذلك يتحقق " الإنسان الديالوجى" ، و هو مقولة روحية بالأساس يعهد بوجوده كله إلى الديالكتيك الدائر بين الله و العالم .
و بتلك العلاقة الذاتية مع الله فى المسيح ، تتجلى الذات الإنسانية و تتغلب على عملية الإحالة الموضوعية objectification  فى عالم الأشياء ، بحسب لغة برديائف ، لأنها فيه تحقق وجودها تجاه الحرية المطلقة ذاتها فوق العالم المادى المُشيّأ ، أى الله ، و عن طريقها فقط تُعلن "خريستولوجيا الإنسان"[14] ، و يبدو أن ذلك كان يعبر عن إختبار شخصى لبرديائف الذى اتى إلى المسيح من خلال تجربة حميمة فى دروب الحرية .

III  ) الحقيقة ... ذات :
لاحظ كيركيغارد – قبل هيدجر - ذاتيّة إعلان الحقيقة عن نفسها فى النص اليوحناوى ، و كان هذا نقطة الإنطلاق فى فلسفته الذاتية و بداية التيار الوجودى الحديث برمته ،فكما أن المسيح قد مارس التهكم السقراطى بتجسده ، فعاش 33 سنة متخفياً كما لو كان إنساناً وحسب ، عاش حقيقته و لكنه لم يُعلّمها بموضوعية بل جعل حياته تعبر عما هو ، و أعلن الحقيقة فى حياتة الوجودية الخالصة، فالذات أيضاً ينبغى أن تكون كذلك ، فلا غنى عن الحقيقة أن تكون حقيقتى "أنا" ، كى ما تكون جديرة بتلك التسمية ، يقتضى من الحقيقة ألا تكون مجردة بل ذاتية ، وجودية ، نبحث عنها فى المواقف العينية ، ليست الحقيقة حيادية بل حقيقة تتعلق بذاتى أى بوجودى، فالوجود الذاتى هو الوجود بمعنى الكلمة ،

هذا جانباً جديداً يُضاف إلى ما رسخه الفكر المسيحى فيما يتعلق بالتشبه بيسوع "كمثال أخلاقى"، فالشبه هنا لا يجب أن يكون فى الأفعال الجزئية وحسب ، بل فى "نمط الوجود" الذى عاشه يسوع ، نمطاً يجلب الحقيقة للذات فى معيشتها القلِقة ،و يعلو بها فوق الفكر ، و الضياع وسط الآخرين ، حقٌ يستعلن فى الإنسان و ليس فى كياناً مفارقاً يبحث عنه و لا يجده .




V
المُعضلة الثالثة
كيف نَبلُغ الإنسان الأعلى ؟



فكرة أن الإنسان ما هو إلا عملية علو ذاتى process of self-transcendence  ظهرت فى الماركسية و التوماوية ، و توجد بقوة فى الفكرة النيتشاوية عن الإنسان الأعلىubermensch  ، لكن مُقاربتنا الآن مع "إنوجادية " هيدجر .
الإنوجادية تعنى أن الإنسان يوجد كتوقع لإمكاناته ، و يتخذ موقفه كتحد لقوته لكى يكون ما يمكنه أن يكونه لا أن يكون ما يجب أن يكون ، إن الإنسان تجاوز لنفسه ، وجوده عينه يتآلف فى استهداف ما ليس عليه بعد ، و يكمن فى النزوع إلى إمكانيته فى التحقق ، " الإنسان أساساً إمكانية "
و مع ذلك فإن مثل هذا العلو الإنسانى لا يتعدى إطلاقاً نطاق العالم الذى أُعطى له ، إنه مشروع من العالم و للعالم و مع العالم ، الإنوجادية هى توقع الإنسان لنفسه و فى عالمه ، إنها فهم العالم .
...
بالطبع لا يوجد فكراً خريستولوجياً لا يعترف أن يسوع المسيح هو "الإنسان الأعلى " ، ليس هذا فقط ن بل أنه يجعلنا مثله ، فهو تنازل لكى يرفعنا إلى رفعته الخاصة Προς το ιδιον  ، و كرامته الخاصة Εις τηω οικειαν     ευγενειαν ، و امتيازه الخاص εις το αυτου αξιςμα بحسب التعبيرات الكيرلسية ، أى أنه يستطيع أن يأخذنا إلى أبعد من إنسانيتنا الحاضرة و عالمنا المفكك الذى نحياه ، و بذلك يعلو على علو هيدجر نفسه !
 و يرتبط العلو الإنسانى بالخريستولوجيا تأويلياً فى فكرتى التأله و الصعود ،فكلمة Sender اللاتينية معناها "يصعد" و trans تعنى فوق أو ما بعد ، فالمعنى الحرفى للترانسندنتيا هو الصعود .   
و يقع إتحاد الطبيعتين فى قلب التعالى المسيحى ، فالابن قد ألّهنا بموجب إتحاده مع الله و تبادل الخصائص Η αντιδοση των ιδιωματων بين الطبيعتين ، لذلك يجب إعادة تأويل اتحاد الطبيعتين فى المسيح أولاً لتقديم فكرة التأله بشكل عصرى .



شخص واحدة فى طبيعتين
العديد من اللاهوتيين المعاصرين واجهوا صعوبات فى التعامل مع الخريستولوجيا الكلاسيكية ، إن أنطولوجيا الجوهر و الطبيعة التى تفترضها المجامع ، و التى تجعل العلاقة بين الألوهة و الإنسانية مثل " لوحين خشبيين تم لصقهما سوياً "[15] على حد تعبير كارل بارث ، لم تعد مناسبة على الإطلاق ، و هى إشكالية تنبع من الطبيعة الإستاتية للتصورات و التعبيرات التى تُمثلها ، و بذلك نحن نرى الإعتراض الهائل الذى قام به كيركيغارد ضد الخريستولوجيا القديمة من منظور إنساني - أنه لا يمكن الإنتقال من الإنسان إلى الله إذا كانت الطبيعة الإنسانية و الطبيعة الإلهية لديهما ماهيتان ثابتتان ،كما أن نقد شليرماخر لتعليم الطبيعتين كان يستند على أن "الطبيعة" تعنى جوهراً عالمياً !

لذلك نحن فى حاجة إلى تبنى مفهوم أكثر دينامية عن الله ، فى أنه يتجاوز الإنقسام بين الماهية و الوجود ، و أيضاً فى إعتباره خلّاقاً إلى الأبد ، أى استبدال الماهية الإستاتية بالعلاقة الدينامية . فلايجب أن نتحدث عن طبيعتين ثابتتين بشكل دائم ، بل عن الإتحاد الأبدى بين الله و الإنسان ، أو إنسانية الله الأبديةeternal Godmanhood  ، تلك الفكرة هى تطوير لخريستولوجيا الطبيعتين فى كل من اللاهوت الشرقى   ( عند فلاديمير سولوفيف و برديائف ) و اللاهوت الغربى ( عند راهنر و بارث ) ، و تعنى الإلتقاء الحر بين الله و الإنسان، بشكل ديناميى منفتح يشمل البشرية برمتها !  و هى تُعبِّر بمصطلحات "الحرية" و "الإمكان" عن ما يعبر عنه التقليد بالـ"جوهر" و الطبيعة" .

إنها ليست تأويلاً بقدر ما هى إدراك لديناميات التعبيرات الكلاسيكية ، فالكلمة اليونانية طبيعةφθσις , لها معنى دينامي أساسي للإنبثاق ، فالفيزيس عند اليونان هو "ما يتفتح من تلقاء ذاته" ، و بهذا المنظور نكون قد اتخذنا خطوة جوهرية نحو النمط الإنسانى المعاصر من الخريستولوجيا ، و كان هذا بالأساس أحد أهم جوانب المشروع اللاهوتى لكارل راهنر .


التأله كإمكان

[ المسيح بإعتباره الكينونة الإلهية – البشرية هو بدء حركة التعالى الذاتى للعالم تجاه القرب المطلق من سر الله ، لذلك يمكننا النظر إلى الإتحاد الأقنومى على أنه ليس مجرد شىء يميز يسوع عنّا ، بل أنه يجب أن يحدث مرة واحدة فقط عندما يبدأ العالم فى الدخول إلى مرحلته النهائية ، تلك التى يتحقق فيها قربه الجذرى من السر الأعظم الذى يدعى الله ]
راهنر

الخريستولوجيا تُرى من هذا المنظور أنها التحقق الكامل للإمكانات البشرية ، فإن الإنسان "إمكان لامحدود" ، كيركيغارد و تيليش يُقرا بأنه وحدة من التناهى و اللاتناهى ، إنه حالة من السعى المستمر نحو آفاق الأبدية التى لن يصل إليها. و تلك الأبدية هى الله ، و هو يتوق إلى أن يُجلب ذلك الأفق إلى عالمه ، وفقاً لبرديائف فإن الإنسان إنسان بفضل الإمكان الخلاق الذى يتشارك فيه مع الله ، و بفضل حرية الإمكان يصبح الإنسان شخصاً .
تجسد الله فى الوجود البشرى يعنى فتح إمكانيات الإنسان اللامحدودة للوصول إلى اللانهائى ، تلك الإمكانيات مطابقة موضوعياً مع جوهر الإنسان ، و فى التجسد أصبحت تلك الإمكانات اللامحدودة متاحة و محققة للبشرية بكاملها التى أعطت نفسها بحرية لله فى المسيح  .

التجسد يُفهم لا كعمل فردى من جهة الله فقط ، بل كعمل ديالكتيكى بين الله و البشرية بكاملها ، تلك التى أعطت طبيعتها لله لكى يتخذها و يلبسها ، فهذا لم يكن إمتداداً إلهياً فى العالم الإنسانى و حسب بل إمتداداً لانهائياً لإمكانات الإنسانية أيضاً ،
هذا الإمتداد لم يكن من الممكن التوصل إليه كمعطى أو العمل بمقتضاه كشىء جاهز ،و  لم يحدث كما لو كان أمراً متوقعاً  ، بل فقط يتم الكشف عنه فى المسيح ، لأن تلك الإمكانات قد كشفت الإنسان فى "كينونته - فى – الله" ، و ليس فى ذاته ، و هو يعلم هذا بسبب التجسد الذى هو "نعمة" و ليس من "الطبيعة".، و هو ما عبر عنه آباء الكنيسة  بالـ"تأله" θεοσις، أى أن فى التجسد اعطت البشرية كلها نفسها لله ، و تقبلت فى جمعيتها المنوجدة فى شخص المسيح إمكانات الألوهة الأبدية .

هذا المفهوم للخريستولوجيا المتعالية لا يمكن بناؤه عقلياً أو لاتاريخياً كمجرد امتداد لفكرة الله - الإنسان ، أو كون يسوع "رمز" المخلص المطلق ، بل يجب الحفاظ على الإيمان بتاريخية تجلى الله فى العالم الإنسانى بشكل حقيقى و واقعى ، فتلك الإمكانات متاحة فعلاً لأن واحد من جنسنا قد انفتح عليها ، لأن اللوغوس الإلهى يعلن ذاته كونه [ إنساناً قد تحدد جوهره النهائى و الأخير ككينونة مباشرة تجاه الله ]

[ بكلمات أخرى ، إذا كانت حالة الإنسان الطارئة و المشكوك فيها تجد إجاباتها المطلقة و الجوهرية فى وعد المسيح ، فتحديداً و من وجهة نظر أنثروبولوجية ، فإن الخريستولوجيا المتعالية transcendental Christology,   التى يمكن للمرء أن يستكشفها فى الإمكانات القبلية  a priori فى الوجود البشرى التى تأتى بواسطة رسالة المسيح ، تكون ضرورية بشكل صريح ]

و بذلك تسير حركة "التأليه" dification مع حركة "الأنسنة" humanization ، فما يؤلهنا هو عينه ما يؤنسنّا ، أى ما يجعلنا نتجاوز وجودنا نحو أصلنا و جذريتنا العميقة ، الله ، المسيح لنا هو "إنساننا الأعلى" لأنه إنتصار اللامحدود فى طبيعتنا ، مصدر ألوهتنا كما إنسانيتنا تماماً .




VI
الخريستولوجيا العليا
High Christology


كما عرضت سابقاً، فإن المقاربات الخريستولوجية المعاصرة تنطلق من العقيدة المسيحانية كما استقرت فى خلقيدونية ، بل أن عبارة "خلقيدونية كمعيار" تتكرر فى كل مقاربة ينتهجها أياً من اللاهوتيين المنتمين لكنائس تقليدية سواء كاثوليكية أو أرثوذكسية ، و لى فى هذا ملاحظة ، فمع اعترافى بالتوازن الذى حققه مجمع خلقيدونية فيما يخص طبيعتى المسيح الإنسانية اللاهوتية ، فإنى أرى أن المقاربات الحديثة لابد أن تشتبك مع خلقيدونية من جهة المنهج Methodology  و تفارقه من جهه الموضوع ، أى تستمر فى التأكيد على حقيقتى الإلهية و الإنسانية فى المسيح ، مع تجاوز هذا الصراع القائم على صدام الطبائع و إنقسام الأقانيم ! ، خلقيدونية كمعيار يعنى التأكيد على نمط الخريستولوجيا العليا، إى الاعتراف الحقيقى بمُطلقية يسوع و عينيته ، بكمونه و تعاليه .

الخريستولوجيا الدنيا أو الخريستولوجيا الاسمية nominalist Christology لا تعتبر أن عقيدة "الطبيعة الإلهية" تنطبق بشكل حقيقى على المسيح ، أى أن المسيح ليس هو "الله الظاهر فى الجسد" بشكل حقيقى ، بل بشكل رمزى ، كما نجدها تلك فى اللاهوت الليبرالى عند تيليش و بولتمان ، و قد وصف تيليش الخريستولوجيا العليا بأنها خريستولوجيا منخفضة القيمة ، أى أن خريستولوجيته الدنيا هى الخريستولوجيا العليا الحقيقية ، و قد قال هذا على إعتبار أن الخريستولوجيا دائماً ما تُحدد بمسألة الخلاص ، و أن الخريستولوجيا العليا الحقيقية هى التى تقدم قيماً سوتيريولوجية ، افترض تيليش أن الخريستولوجيا العليا تبتسر إنسانية المسيح بينما الخريستولوجيا الدنيا تجعل إنسانيته هى وسيطة الخلاص !
و إن كان قد عبر عن هذا المنظور بقوله[ إن المسيحية لم تولد مع ميلاد الرجل الذى يدعى يسوع ، بل ولدت بالأحرى فى اللحظة التى اضطر فيها احد أتباعه إلى أن يقول له "أنت المسيح" ][16] و إذا كانت الصيغة الكلاسيكية تؤكد على الإعتراف أن يسوع هو المسيح ، فإن هذا النوع من الخريستولوجيا الدنيا يقتضى من الكنيسة التأكيد على حقيقة كون المسيح هو يسوع ، أى شخصاً تاريخياً حقيقياً أعلن الحقيقة فى صميم وجودنا البشرى ، هو شخص و ليس رمز ، هو وجود بالأساس و ليس مجرد فكرة .
أمرٌ آخر ، و هو وجوب التأكيد على "العنصر الأنطولوجى" ليعبر عن الحقيقة الأبدية للمسيح و الإنسان، تلك الحقيقة التى لا تتأثر بالتمظهرات الفكرية أو الاستخدامات الدينية . هناك حقيقة مطلقة تجلّت فى المسيح وقائعياً فى وجودنا الإنسانى ، و التاريخ الحقيقى لا يمكن أن يفسر إلا إنطلاقاً من القاعدة الأنطولوجية ، أى من حقيقة الوجود .
...

ذلك الإرتباط الكيانى بين هوية المسيح و الهوية البشرية يكشف أن وجودنا فى حالة تكوُّن ليكتمل فى المسيح يسوع ، و أن الخلاص ليس فقط عملية ذاتية بل أنطولوجية أيضاً ، يسوع المسيح هو المبدأ الأساسى الكامن immanent فى الوجود ، و الذى يقودنا جميعاً لنصبح مثله ، مسيحاً قدوساً واحداً يُقدم نفسه للآب بلا عيب .



المصطلحات


الوجود  Existence :
أى الإنسان فى تجاربه الفينومينولوجية الظاهرة ، فى تجسده و عينيته ، و قد استُخدمت فى المعضلة الأولى من الدراسة ، بحسب مفهوم الفلسفة التى تحمل نفس الاسم "الوجودية" ،و هى تهتم بما يحياه الإنسان بالفعل من تجارب جزئية و وضعه الواقعى و قضاياه المصيرية ، كالحب و الحرية و الموت و القلق ، أى الموجود فى واقعة وجوده المنتمى إلى المجال العرضى الحادث contingent القابل للتغيير ، و هو الوجود بالقوة و الإمكان .و هى غير الأنطولوجيا ،
                                      

الأنطولوجيا  Ontology :
من اليونانية οντος  ، و هى الحديث عن الكينونة ، أو الوجود من حيث هو وجود ، فى حقيقيته ، و هى فرع من الميتافيزيقا، و استخدمت فى المعضلة الثانية من الدراسة بمعنى "الكيان الإنسانى" و "جوهره" و "أساسه" كما قصد الله من خلقته ، أى الإنسان فى ماهيته كصورة الله، و الذى يجد كينونته حصراً فى الابن المتجسد يسوع المسيح .


الماهية Essence :
أى الجوهر ، و هى تعبر عن الثبات و الديمومة ، و تتسم بالتجريد و الكلية ، و تعتمد تلك الدراسة فكرة أن الإنسان بلا جوهر ثابت يفرض عليه نمطاً طبيعياً ستاتياً محدداً من الوجود ، فهو بالأساس حرية ، و ذلك  فى معارضة صريحة لمفاهيم اللاهوت الأبائى الكلاسيكى الذى يُقر بوجود جوهر و طبيعة ثابتين للإنسان .

المفهومية الميتافيزيقية :
تلك التى سادت الفلسفة الهلينية ، و من ثمّ المسيحية المبكرة برمتها ، و تعتمد مفهوم "الماهية" كمدخل لشرح طبيعة الله و الإنسان .


ترانسندتيا Transcendent :
العلو ، أو التجاوز ، و هو يعبر عن الصعود إلى مجال أسمى و أعلى ، و هى كل فلسفة تقول أن اكتشاف الحقيقة يقع فيما وراء الخبرة المُعطاة و يجاوزها ، و استُخدمت فى المعضلة الثالثة من الدراسة . و نُعنى بها مجاوزة الإنسان لذاته تجاه لاتناهيه ،


جدلية  Dialectic:
بحسب فريدريك هيجل ، فالقضية thesis   تندمج مع نقيضها antithesis  و هو ما يعارض أو ينفى القضية ، لتتجاذب و تتآلف فى مركب جديد synthesis  يجمع بينهما و يجاوزهما كلاهما معاً فى آنٍ .


تموضع  Objectification :
التعبير الأثيل لنيكولاس برديائف ، يشير إلى التشيؤ و الإنتماء الإنسانى لعالم الموضوعات الخالية من أية علاقات ذاتية ، و هو حالة من تدمير المعنى ، فمن أجل أن تدرك معنى الوجود عليك أن تتحد بموضوعه ذاتياً و لا تنفصل عنه و هذه هى المشاركة الحية الأصيلة ، و هى تتطلب الإحالة الخارجية للإنسان The Exteriorization  التى تهبط بالإنسان من ذاتيته و حريته و علاقاته الحية .




Bibliography & Further Readings


1 - John Maqurrie - Some Problems of Modern Christology.

2 - Arthur C. Cochrane - The Existentialists and God  / Being and the Being of God in the Thought of Soren Kierkegaard, Karl Jaspers, Martin Heidegger, Jean-Paul Sartre, Paul Tillich.

3 - Anton Losinger -The anthropological turn - the human orientation of the theology of Karl Rahner  2000.

4 – Philip Endean – Rahner, Christology and Grace.

5 - Gareth Jones - The Blackwell Companion to Modern Theology.

6 - Douglas Knight - The Theology of John Zizioulas 2007.

7 - Brian McKinlay - revelation in Nicolas Berdyaev's religious philosophy

8 – Russel Re Manning - The cambridge companion to Paul Tiliich .

9 - David W . Congdon – The Mutidimensional High Christology of Paul Tillich

10 - Matthew Craig Steenberg- Of God and man theology as anthropology from Irenaeus to Athanasius    2009.

11 - يسوع المسيح فى تقليد الكنيسة / الأب فاضل سيداروس اليسوعى
12- جون ماكورى / الوجودية
13 - ريجيس رولفييه / المذاهب الوجودية
14 - مارتن هيديجر ، الوجود و الموجود / جمال محمد أحمد سليمان
16 – نداء الحقيقة - نصوص عن الحقيقة فى فلسفة هيديجر / د. عبد الغفار مكاوى








1-    PG 73 : 735 / PG 80 : 588
تفسير يوحنا 7 : 39
 * أنظر دلالة اهم المصطلحات فى مُلحق الدراسة
2K. Ralhner,G n~ndkun2,2 3 (225).
– تلك الهرطقة التى أنكرت لاهوت المسيح
4 - Behr, Way to Nicaea, p. 1.
5- (( كيرلس الكبير / تفسير يو 1 : 14
 - 6  العبادة بالروح و الحق 8  PG 68 : 552
7- Zizioulas, ‘The Ecclesiological Presuppositions of the Holy Eucharist’, p. 342.
( تجسد الكلمة ف 4 )   - 8
 9 – Quoted by John Webster The Blackwell Companion to Modern Theology
 10 - يشتبك هذا مع مفهوم الصورة الإلهية التى جُبل عليها الإنسان ، سنناقش تلك الإشكالية فى الدراسة القادمة.
11Cf. Zizioulas, ‘Christologie et existence
-  Tillich , P, Systematic Theology , Vol 2, P. 92  12
13Bumer M : I and Thou .
14 - The divine and the human, 183. In a later work, The destiny of man (pp. 84-153)
15 – Karl Barth,Church Dogmatics, ed.G. W. Bromiley and T. F. Torrance,13 vols.
 16 - Tillich , P, Systematic Theology , Vol 2, P. 97